السبت 19 أكتوبر 2019
كتاب الرأي

جماهري: تولد الثورات، عندما يلتقي الشباب والسلطة الرابعة الجديدة (مؤانسات رمضانية 2/1 )

جماهري: تولد الثورات، عندما يلتقي الشباب والسلطة الرابعة الجديدة (مؤانسات رمضانية 2/1 ) عبد الحميد جماهري
وجدتني، في بني ملال، أخوض مع حضور ثري العاطفة، في مسألة الشباب والسلطة الرابعة، الذي استدعيت له من طرف ثلة من شباب المدينة العتيدة، ألفوا أن يستضيفوا العقل والراهن في سمر الشهر المبارك.
ويحدث أن يكون الموضوع متعدد الأضلاع، وطوابقه لا تنتهي، عندما نجمع بين قطبين من أقطاب صناعة العالم اليوم، أي قوة الشباب وسلطة الإعلام.
كان الاستئناس بالأرقام، وبالمقاربات الاجتماعية وبملامسة التحولات في فهم عالم المعلومة حاليا، مسألة منتظرة..
كان علي أن أنبه إلى فرادة مغربية عميقة المعنى:كل الذين صنعوا الإعلام، في فترات الولادة والتأسيس، كانوا من شباب الحركة الوطنية.
وكل قادة المغرب الكبار، الذين خبروا العمل الوطني ثم الصراع من أجل الديموقراطية، كانوا من الإعلاميين.
المهدي بن بركة، علال الفاسي، عبد الرحيم بوعبيد، علي يعته، عبد الرحمان اليوسفي، محمد اليازغي، الفقيه البصري، عمر بن جلون، بنسعيد ايت يدر، محمد بن عبد الكريم الخطابي، وغيرهم كثير، ممن كبروا في حضن الصحافة المناضلة، وارتبط وجدوها بحياتهم، وبعطائهم….
كان علي أن أنبه، أن المجهود الذي كان يبذل كان من أجل الحق في الوجود وثم الحق في الحرية، وأنه في تلاطم المهمتين لم يكن هناك برزخ لا يبغيان..
ومن اللافت في اللقاء، أن النقاش، من طرف المتدخلين الذين أثروه، وتعددت مداخلاتهم إلى أن تجاوزنا منتصف الليل، تمحور حول أوضاع الصحافيين والصحافة المكتوبة أكثر من مقاربة التماس، والعلاقة بين القوتين…
هناك منطقة ظلت في طي النوايا، هي منطقة أن يلتقي الشباب بالإعلام.
لقد غامرت بالقول إن السلطة الرابعة تغيرت في طبيعتها وفي بنيتها، على ما اعتدنا عليه نحن الجيل الذي جاءها من الكتابة أولا، ثم السياسة ثانيا، ثم التورط المهني في ما بعد.
لم يتح لنا كثيرا أن ننظر للسلطة الرابعة، لسبب بسيط هو أننا كنا نعيشها، كنا نمارسها، ولا نحسب حسابها إلا عندما يغضب رجل السلطة أو يغضب رفيق في الضفة المقابلة أو يصدر الحجز أو المنع..
كما لو أن الذي يمارس السلطة الرابعة ويعيشها لا يكتب عنها أو يخلق لها إطارا نظريا..
وسرعان ما أدركتنا الموجة الجديدة الجارفة، ووجد أغلب الذين كانت بيدهم سلطة الورق، أنهم تحت سلطة أكبر..
لقد كان الشغل الشاغل لأغلب التدخلات، بعد الحرص على مصداقية العمل الصحافي، هو استمرار الصحافة المكتوبة، ولا سيما منها الورقية، وكان الحرص كبيرا على رسم اللوحة كاملة، بألوانها السبعة، بدون التحفظ في انتقاد الجمهور نفسه..
وكان واضحا أن المصداقية إلى جانب حرية الوجود والتعبير من مرتكزات الأنس الرمضاني حول السلطة الرابعة…
كيف يمكن للشباب، الذي يميل غريزيا نحو رفض كل السلط، سلطة الأسرة والمدرسة والسياسة، أن يستسلم للسلطة الرابعة في شكلها الجديد، و يعانقها عناقا حارا رومانسيا؟
ما علاقة ذلك بمصداقية السلط الأخرى… ؟ كيف انزلقت السلطة الرابعة من السمعي البصري والورقي إلى منصات التواصل الاجتماعي، وصارت أكبر من مصدر خبر، إلى فبركة للرأي العام، وساحة الاحتجاج وممر للتنشئة الاجتماعية وجسرا للتحديث في الذهنيات واللقاء مع العالم؟
كيف يبزع الشباب كرأي عام، وكقوة سياسية ذات عرض سياسي، كما ثبت في الكثير من المحطات؟
لا حظت أن الحديث عن الشباب، والعلاقة المفترضة، لم ينل الحظ الذي نالته المناقشات حول الإعلام وحول الصحافة التقليدية، ورهاناتها اليوم، كما لو أن الأساسي ما زال كا هو منذ عقود..في هذه المعادلة لا في غيرها طبعا.
مقابل 1% فقط من شباب المغرب الذين يقرأون المكتوب، هناك نفس النسبة تهتم بالسياسة وتهتم بالنقابة، أية علاقة جوهرية بين الأمرين، في وقت صار فيه 16 مليون مغربي يستعملون الفيسبوك منهم 77 من الشباب، هل نفكر الآن حيث لا يوجد الشباب؟
هل توجد السلطة الرابعة حيث لا نفكر بها؟
منهم 66 % يتصلون عبر الهاتف النقال
هنا في مستطيل برموز يعيش العالم الحديث للشباب
هنا الصحيفة
والنادي
والمقهى
والبيت
والغرفة
والحديقة حيث يلتقي بالنصف الآخر
هنا يصنعون عالمهم
كل الشباب دخل الانترنيت بعد أن غادر جزء كبير منهم الفضاءات التي نعرفها نحن: الأحزاب والنقابات والجمعيات والمنتديات..
هنا يكتشفون الحوار، عكس المونولوج الذي رسمته العلاقات التواصلية التقليدية عبر الورق
هنا يعيشون كل تحولاتهم
من المدرسة إلى العمل
ومن العائلة إلى الأسرة الصغيرة
ومن السكن مع الوالدين إلى السكن الفردي
أو »الافترادي = أي فردي وافتراضي في الوقت ذاته«.
في كل هذا، ومع هذا، بالرغم من برودة التحليل عندما يلتقي الشباب والسلطة الرابعة في تحولاتها الراهنة، تولد الثورات
تولد المسيرات والمطالب
وتولد الغرف التي تراقب التاريخ وهو يتماوج، عفويا أو بزر تحكم، بين الواقع والمستقبل…