الجمعة 20 سبتمبر 2019
فن وثقافة

تاريخ وحضارة : "العزاوي"، مفردة تكاد تنفرد بها مدينة مراكش (14)

تاريخ وحضارة : "العزاوي"، مفردة تكاد تنفرد بها مدينة مراكش (14) في كل حومة كان هنالك (عزوة أو عزاوي) يدافع عنها ضد كل اعتداء .

بدون منازع حققت صفحة "مراكش مدينة الألف سنة " التي أحدثها عاشق مدينة سبعة رجال ، الأستاذ "مراد الناصري" سنة 2017 ، بموقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، أهدافها المتعلقة بالنبش في ذاكرة المدينة الأسطورة، ونفض الغبار عن تراثها العظيم بالكتابة والصورة، وفتح أبواب شخوصها و معالمها العمرانية والتاريخية بمفاتيح الحضارة الإنسانية. " لقد راهنت على إبراز أهمية استثمار مواقع التواصل الاجتماعي في الجانب الإيجابي، وتمرير رسائل مهمة للجيل الحالي على جميع المستويات، فضلا عن مشاركة ساكنة مدينة الحمراء عشقهم لحضارة مراكش..." يؤكد مراد الناصري.

فعلا إن المبحر في صفحة "مراكش مدينة الألف سنة" يجدها تجربة رائدة في استثمار موقع الفيسبوك إيجابيا، حيث نعتبر أنها جديرة بالمتابعة والتعميم والمواكبة الإعلامية، وتقاسم مواضيعها النادرة مع قراء جريدة " أنفاس بريس"، لتعميم الفائدة طيلة شهر رمضان الأبرك.

"العزاوي" أو "العزوة" مصطلح عجيب تكاد مدينة مراكش تنفرد به دون سائر مدن المغرب، أما إذا قلت "عزوة" في أغلب مناطق المملكة فسيذهب المعنى تلقائيا إلى الشخص أسمر البشرة داكنها.

و "العزوة" ليس خصيصة لغوية مراكشية كما قد يتبادر إلى الذهن ولا حتى مغربية، بل إنه اشتقاق لغوي من فعل "عزا يعزو" ، أي ينسب الشيء ويوكله إلى أمر معين، هذا من حيث اللغة، أما اصطلاحا فالعزوة معناها الشخص الثقة الذي يمكن الاتكال والاعتماد عليه في الكرب والشدائد، والعزوة ـ بكسر العين ـ تقال بنفس المعنى في دولة مصر العربية الشقيقة وبعض مناطق المشرق والشام.

في مراكش ارتبط مفهوم "العزاوي" تاريخيا بالشخص القوي في الصراعات أو "المدابزة" بلغة المحاربين، وفي كل حومة كان هنالك (عزوة أو عزاوي) يدافع عنها ضد كل اعتداء خارجي ممكن، فهو الشرس المقدام المحارب عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن حياض الحومة، اللطيف الودود الخدوم الذي لا يعتدي على أحد، بل قد يصل به الأمر إلى مساعدة الناس والقيام ببعض الأعمال وتقديم بعض الخدمات ذات الطابع اليدوي مما يحتاج لقوة العضلات، لفائدة سكان حومته أو حتى لغيرهم.

هذا علما أن صراعات العزوة أو "مدابزاته" كانت تتم اعتمادا على قدراته القتالية الذاتية ، وليس عبر وسيط مثل : الخناجر والسيوف، وسائر الآلات الحادة، إذ أن عقلية ذلك العصر كانت ترى أن "هزّان المضى" فعل يفتقر إلى الرجولة والشجاعة والشرف وذلك لكونه يقوض مبدأ تكافئ الفرص في "الدبزة"، لذلك فما على العزاوي إلا أن يشمّر على ساعديه القويين إن هو أراد إثبات نفسه...

لكن العزاوي لم يكن مجرما أو قاطع طريق يعترض سبيل المارة ويسلبهم ممتلكاتهم، بل هو مجرد رجل قوي البنية ومقتدر في الصراعات البدنية التي لا يلجأ إليها إلا وقت الضرورة دفعا للأذى عن نفسه أو هبّا لنجدة الغير، كما أنه كان يتحلى بالأخلاق الرياضية العالية التي تجعله لا يجهز على خصمه ولا يمعن في إهانته بعد التفوق عليه وحسم النزال لصالحه، بل إنه يتركه يذهب في حال سبيله، وذلك انتظارا لجولة موالية في أغلب الأحيان كما كان يحدث خلال المنازلات الأسطورية بين العزاوي المسمى "خشّ" ابن حيّ الملاح، وخصمه اللدود الملقب ب "الطارو".

"العزاوي" يقابله مصطلح "الفتوة" في مصر و"الأباضاي" في الشام، ومن أشهر العزاوي الذين عرفتهم حومات مراكش أيضا "ولد الڭراب" في رياض الزيتون، وفاكس في باب أيلان، وغيرهم الكثير ممن ننتظر أن تحدثونا عنهم في التعليقات.