الأربعاء 20 نوفمبر 2019
فن وثقافة

تاريخ وحضارة : أسماء أعلام الإناث في مراكش القديمة الرمزية والدلالة ( الحلقة 9 )

تاريخ وحضارة : أسماء أعلام الإناث في مراكش القديمة الرمزية والدلالة ( الحلقة 9 ) السيدة الحرة عالم أرامكو

بدون منازع حققت صفحة " مراكش مدينة الألف سنة " التي أحدثها عاشق مدينة سبعة رجال، الأستاذ "مراد الناصري" سنة 2017 ، بموقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، أهدافها المتعلقة بالنبش في ذاكرة المدينة الأسطورة ، ونفض الغبار عن تراثها العظيم بالكتابة والصورة، وفتح أبواب شخوصها  و معالمها العمرانية والتاريخية بمفاتيح الحضارة الإنسانية. " لقد راهنت على  إبراز أهمية استثمار مواقع التواصل الاجتماعي في الجانب الإيجابي، وتمرير رسائل مهمة للجيل الحالي على جميع المستويات، فضلا عن مشاركة ساكنة مدينة الحمراء عشقهم لحضارة مراكش..." يؤكد مراد الناصري.

فعلا إن المبحر في صفحة "مراكش مدينة الألف سنة" يجدها تجربة رائدة في استثمار موقع الفيسبوك إيجابيا، حيث نعتبر أنها جديرة بالمتابعة والتعميم والمواكبة الإعلامية، وتقاسم مواضيعها النادرة مع قراء جريدة " أنفاس بريس"، لتعميم الفائدة طيلة شهر رمضان الأبرك

 

( مكانة المرأة ودورها الإنساني منذ فجر التاريخ، أكبر من أن يتم اختزاله في سطور معدودات ولا حتى في صحائف ومجلدات وموسوعات، يكفي أن المرأة هي نصف المجتمع وهي من كلفها الله سبحانه وتعالى بأن تحمل في بطنها النصف الثاني في تسعة شهور وهنا على وهن، وفي الحديث النبوي الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تكرهوا البنات فإنهن المؤنسات الغاليات"...).

في مراكش القديمة بدأ كل شيء مع زينب النفزاوية، زوجة الأب المؤسس أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، والتي قال عنها الناصري في الاستقصا:

"فكانت عنوان سعده، والقائمة بملكه، والمدبرة لأمره، والفاتحة عليه بحسن سياستها لأكثر بلاد المغرب....". ونقل عن ابن الأثير في الكامل قوله عن زينب النفزاوية بأنها: "كانت من أحسن النساء، ولها الحكم في بلاد زوجها ابن تاشفين..".

لكن بعض الأسماء كانت لها رمزية أكبر من غيرها، وهي الرمزية المستمدة من تيمن الناس بإطلاق أسماء زوجات ونساء آل بيت وصحابيات النبي صلى الله عليه وسلم على بناتهن، وهكذا لا تكاد تخلو أي عائلة مغربية من أسماء مثل خديجة وعائشة وأمينة وفاطمة وحليمة والسعدية أو سعاد وزهرة وزينب وسكينة وأسماء ومريم، ثم يحضر البعد الأمازيغي بكل قوة في هذه الرمزية حيث نجده في أسماء أعلام النساء والتي لعل من أشهرها إيزا ويطو وإيناس (تعني القول الحسن والكلام الموزون) ومايا (صدى الجبال)، هذا دون إقصاء البعد الإفريقي لمدينة لطالما شكلت عاصمة لإمبراطورية مغربية امتدت جنوبا لأغوار إفريقيا السحيقة.

وهكذا نجد في مراكش القديمة شيوع بعض أسماء "الدادات"، والتي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر دادا عيشاتا وفاطيماتو وامبيريكة، مع حضور قوي أيضا للبعد اليهودي الذي ما زال متجليا في بعض معالم المدينة على غرار درب اسليمة في حومة حارة السورة ـ واسليمة أو اشليمة هي خادمة السورة كما جاء في أغلب الروايات ـ، وكذلك في بعض آثارها المندثرة مثل "برج اليهودية" في حومة المواسين.

مما سبق نستشف أن حضور المرأة في مراكش القديمة لا يقتصر على إطلاق أسماء نسائية بعينها فحسب، بل إن ارتباط المدينة الحمراء بالمرأة منذ عصر التأسيس وما تلاه تجاوز الإنسان ليمتد إلى البنيان، وهذا ما يبدو جليا في أسماء الحومات التي يبقى من أشهرها "حارة السورة" أحد أقدم الأحياء التي بناها المرابطون إسوة بحومة أسول المجاورة، والسورة كما جاء في روايات جمهور المؤرخين هي ابنة يوسف بن تاشفين، ثم نجده في حومة الصالحة أحد أكبر حومات مراكش المرابطية والموحدية ولو أن بعض الروايات حصرت الصالحة في كونه بستانا ضخما أكثر منه حيا سكنيا في مراكش القديمة، والصالحة ذاتها اختلف المؤرخون بشأن هويتها ومدى ارتباطها بالأمراء المراكشيين الأوائل، وفي ذلك اختلفت الأقوال في كونها عاشت إبان عصر علي بن يوسف المرابطي إلى غاية السلطان يعقوب المنصور الموحدي.

هذا ما كان من شأن المتقدمات، أما المتأخرات زمنيا، فمنهن "للا عويش" التي عاشت خلال أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، حيث استقرت بحومة أسول قادمة من سبتة، ثم كان أن حمل درب كامل اسمها بل إن الثقافة الشعبية باتت تعتبر "للا عويش" حومة قائمة الذات على تخول الحومة الأم أسول وعرصة الملاك...

ثم إنه من نافل القول التأكيد على ارتباط معمار مراكش بالمرأة، ومنه نسرد مثال مسجد باب دكالة الكبير الذي بنته السيدة مسعودة الوزڭيتية المعروفة اختصارا بلقب للا عودة السعدية والتي حملت أيضا لقب السيدة الحرة، وهي والدة أحمد المنصور الذهبي أعظم ملوك الدولة السعدية، ولمسجد باب دكالة حكاية أوردها الناصري في كتابه الأشهر "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى"، حيث يقول أحمد بن خالد الناصري:

"وتزعم العامة ـ وهذا شأنها دائما ـ أنها بنت المسجد المذكور كفّارة لما انتهكته من حرمة رمضان، وذلك أنها دخلت بستانا من بساتين قصورها وهي في حال الوحم، فرأت به خوخا ورمانا فتناولتهما وأكلت منهما في نهار رمضان، ثم ندمت على ما صدر منها وفعلت أفعالا كثيرة من باب البر رجاء أن يتجاوز الله عنها، ومنها الجامع المذكور، وما زال النساء والصبيان، يسجعون بقضيتها إلى الآن فيقولون: عودة أكلت رمضان بالخوخ والرمان...".

ومن هذا المنطلق، فأسماء أعلام النساء ستكون حاضرة بقوة في حومات وأحياء مراكش على امتداد دروبها مترامية الأطراف، ومنها سنذكر أمثلة حية على غرار درب للا عيشة حساين، ودرب الشريفات بحومة الزاوية العباسية، درب زهرة الغرض ودرب للا إيزا احماد بقصيبة النحاس، درب للا نجمة السڭراتية، ودرب عيادة بحيّ بنصالح، درب عيشة القماشة (اسمه الحالي درب الوردة) بتيخيزريت (بنت الباشا المدني الڭلاوي) عرصة الغزايل، درب اسليمة بحارة السورة، درب للا تاحضريت بباب هيلانة، وأخيرا درب للا بنت العمري بحومة أسول المرابطية...

المرأة حاضرة في كل مناحي الحياة، وفي مراكش كان ما رأينا منذ عصر التأسيس المرابطي الأول؛ حضورها طاغٍ في أسماء الأعلام والحومات والدروب وحتى في الأمثال والثقافة الشعبية والموروث الشفوي الذي خلّد ذكر المرأة في أدوارها المتعددة من الأم والجدة إلى الزوجة رفيقة الدرب والبنت والأخت، وليس ببعيد عنا روائع فنية تغنى بها المراكشيون على شاكلة "للا فاطمة عار ربي غير كليمة" أو "أللا زهيرو عاودي لي آش جرى لك"، لنختم باسم أمينة الذي أنشدت بخصوصه أغنية في منتهى الجمال تقول بعض كلماتها:

(مينة مينة قولي لي وين مشيتي...طال غيابك ما وليتيش أللا...

أنا عبدك أللا يا مولات الخال... راني نشكي في هواك يا مينة لأصحاب الحال...

ديتي عقلي راني مكوي بهواك وصافي...ها عار الله يا مينة لقليبي لا تحافي...

مينة مينة يا مينة ويا داك الزين...هذا فالك معك رضاة الله والوالدين)