السبت 20 يوليو 2019
جالية

لماذا يغيب الجنود المغاربة عن ذاكرة الحرب العالمية الثانية؟

لماذا يغيب الجنود المغاربة عن ذاكرة الحرب العالمية الثانية؟ يوسف لهلالي، رفقة الجنود المغاربة
هذا الصباح اخترت أن أزور ساحة دوني كوشان، في المقاطعة السابعة بباريس، والتي أقيم فيها نصب تذكاري حول مشاركة الجنود المغاربة، وهو احتفاء بمشاركة هؤلاء المحاربين المغاربة في تحرير فرنسا.
هذا التذكار هو أيضا، احتفاء بنداء الملك الراحل محمد الخامس لسنة 1939، رفيق التحرير الذي ساند فرنسا عندما دخلت الى الحرب. وهو نداء مكتوب بالخط المغربي والفرنسي في نفس الوقت في هذه الساحة. وكتب في هذه اللوحة الى " الذين سجلوا ملحمة خالدة تشرف عملهم وألويتهم، بتضحياتهم في ساحة الشرف، يذكر منها تألقهم في المغرب وحماسهم واندفاعهم من اجل استرجاع التراب الفرنسي..."
هذا الاحتفاء وهذا التذكار الذي تم افتتاحه في أكتوبر 2015 هو من اجل الاعتراف بهذه الذاكرة وبهذه المشاركة، ففي العقود الأخيرة لم يكن الحديث عن الانتصار في هذه الحرب العالمية الثانية إلا عن دور الجنود الأمريكيين وباقي الحلفاء الغربيين، من خلال ما تنتجه سينما هوليود وما يكتب من طرف هذه البلدان في كتب التاريخ والأدب في تجاهل تام تقريبا للآخرين و أي اعتراف بما قام به الآخرون في هذه الحرب من أجل الحرية سواء المغاربة أو الافارقة.
غير بعيد عن هذه الساحة يوجد النصب التذكاري للمريشال ليوتي، أول مقيم عام بالمغرب والذي ترك بصمته على فترة الحماية في كل المجالات، مما جعل الاستعمار بالمغرب وطريقة عمله مختلف عن ما تم بباقي المستعمرات.
هؤلاء الجنود المغاربة والذين كان يطلق عليهم "الكوم"، تميزوا خاصة ما بين 1942و1944 سواء بتونس، وبعدها في إيطاليا في معركة غاريليانون، حيث تم تحطيم وتجاوز أقوى التحصينات التي انجزها الجيش النازي من أجل منع ولوج الطريق التي تؤدي الى روما. وفي فرنسا قاموا بتحرير باستيا بجزيرة كورسيكا ومرسيليا جنوب فرنسا من الاحتلال النازي تم بعد ذلك دخلوا الى المانيا كما هو مكتوب على هذه اللائحة التذكارية.
واختياري لهذا المكان هذا الصباح كان مقصودا و من اجل لفت الانتباه الى الجنود الذين تم تناسيهم وتناسي دورهم في هذه الذاكرة وذاكرة الحرب الثانية. كل الأفلام والكتب والأعمال حول هذه الفترة تركز على الدور الأمريكي على الخصوص في هذه الحرب وعلى الحلفاء وتتناسى الجنود القادمين من المغرب وإفريقيا وباقي العالم ودورهم في هذه الحرب والثمن الغالي الذي تم اداؤه من اجل انتصار الحرية .
عند افتتاح هذا التذكار في أكتوبر سنة 2015 ، كنت من الإعلاميين المحضوضين بحضور هذه اللحظة المتميزة في العلاقات التاريخية بين المغرب وفرنسا والتي حضرها جنديين رغم تقدمهما الكبير في السن ،عندما اقتربت من الحاج حمو موسيك للاطمان على حالته نظرا لتقدمه الكبير في السن و الذي كان محاطا بعدد من قدماء العسكريين الفرنسيين بجلبابه المغربي الأبيض، وكان على صدره عدد كبير من الاوسمة العسكرية التي ترمز الى مشاركته في عدد كبير من المعارك المهمة والتي كانت أساسية لربح هذه الحرب سواء في تونس،فرنسا وإيطاليا.
الحاج علي النادي هو الاخر كان مبتهجا بهذا التكريم الفرنسي، ومازال يتذكر هذه المشاركة العسكرية بعدة جبهات سواء بايطاليا او كورسيكا. هو الاخر لم ينس هذه المعارك رغم مرور عقود. وكانا بباريس ليمثلا كل رفاقهم الذين رحلوا او لم يسمح لهم السن والمرض أحيانا بالحضور وللاحتفاء بهذه الذاكرة.
هذا الاحتفاء أيضا جاء ليعزز العلاقات المغربية الفرنسية هذه الصداقة بين البلدين والتي يعتبر هؤلاء المحاربين رمزا لها ولاستمراريتها.
وقد شارك في هذا الجحيم حوالي 85 ألف محارب مغربي استجابوا في تلك الفترة لدعوة جلالة المغفور له محمد الخامس وساهموا في انتصار الحلفاء على النازية والفاشية.

واعترافا من فرنسا بهذا الجميل دعا الجنرال ديغول "العاهل المغربي إلى فرنسا في عام 1945.... وخلال هذه الزيارة. قام الجنود المغاربة بالاصفاف حول الشانزليزيه أمام جلالة المغفور له محمد الخامس". داعيا إلى حفظ ذكرى المحاربين "الذين ضحوا بأرواحهم على التراب الهولندي. وتخليد القيم التي ماتوا من أجلها".
الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند عبر عن امتنانه لهذه المشاركة لجنود من المغرب العربي عند زيارته لمسجد باريس الكبير الذي ساهم المغرب في بنائه بشكل كبير، ويعتبر هذا المسجد اعترافا من فرنسا ومن مؤسستها العسكرية بمساهمة هؤلاء الجنود المغاربة والمسلمين في الحرب الأولى ، وقال هولاند بهذه المناسبة:
"اعتمد الجنرال ديغول عشرة من الضباط والقناصة رفاقا للتحرير؛ وبرز واحد منهم، كان هو الملك محمد الخامس. فقد أراد الجنرال ديغول بهذا اﻻختيار أن يشير إلى أن رجالا قدموا من مختلف أنحاء العالم هم من ساهم في تحرير بلدنا، وأنهم سيبقون رفاقا إلى الأبد."..."صحيح أن هذه النزاعات ولّدت أخوّة السلاح، ويذكّرنا هذا المسجد الكبير بذلك. فقد نمت صلة وثيقة جدا بعد الحرب العالمية الأولى بين الٳسلام والجمهورية، من أجل الدفاع عن سيادة بلدنا وحريته."
"لذلك فٳن تكريم الموتى اليوم يتوجه ٳلى الأحياء أيضا. ٳنه دعوة إلى الاحترام، احترام موتى الأمس الذين قاتلوا من أجلنا، واحترام موتى اليوم من خلال واجبنا بتخصيص مساحات في مقابرنا لأتباع ديانات معيّنة."
بيننا وبين فرنسا دم مشترك، وهذا الاحتفاء بالجنود المغاربة سواء الذي تم بكورسكا مند 5 سنوات،بمسجد باريس منذ 4 سنوات وبعدد من البلدان الأوربية، يعبر عن المشترك الذي يجمعنا بالبلدان الأوربية، من اجل التحرر من النازية و الفاشية ومن اجل عالم تسوده الحرية والديمقراطية والكرامة والإنسانية. واستجاب لنداء الملك محمد الخامس أثناء الحرب الثانية 85 ألف محارب مغربي. وساهمت الدماء المغربية وشجاعة جنوده على انتصار الحلفاء على النازية والفاشية.
الاحتفاء بدور هؤلاء المغاربة الذين ماتوا من اجل الكرامة ومن اجل تحرير الجمهورية الفرنسية، وهذا النصب التذكاري. يذكرنا جميعا بهذه التضحيات لجنود مغاربة مسلمون ،هو درس اليوم لكل الحركات الفاشية التي تنتعش بفرنسا وبأوربا والتي تدعوا إلى حرب شاملة مع المسلمين وتدعوا الى صراعات حضارات شامل. نفس هذه الأفكار اليمينية الفاشية دعت الى النازية الى قيادة حرب شاملة في الحرب العالمية الثانية أدت الى موث عشرات الملايين من الضحايا. هذا التكريم وهذا الاحتفاء هو اليوم لتذكير بالقيم الإنسانية المشتركة، ولتذكير ان كل الحركات الفاشية والنازية التي تجعل من كراهية الاجانب ومعاداة الاخر قد فشلت في مسعاها. هذا الاحتفاء هو أيضا لتذكير الأجيال الشابة بهذا التاريخ المشترك، وبهذه التضحيات الاستثنائية من اجل عالم حر وديمقراطي، عالم الحرية والديمقراطية، خاصة بفرنسا التي تنتعش بها الحركات الفاشية التي تتقدم في الانتخابات ،بل ان أفكار معاداة الإسلام والأخر تحررت بالاعلام، ووجد فيها بعض الإعلاميين والجامعيين رأسمالا لشهرة وأصبح بيع الخوف للمواطنين بفرنسا تجارة جد مربحة على حساب هذه الذاكرة المشتركة.