الأحد 9 مايو 2021
سياسة

أحداف: مسؤولية من لو قام أحد المستفيدين من العفو والمصالحة بعملية إرهابية؟

أحداف: مسؤولية من لو قام أحد المستفيدين من العفو والمصالحة بعملية إرهابية؟

أثار موضوع برنامج المصالحة مع المعتقلين من التيار الجهادية السلفية والذي شاركت فيه كل من المندوبية السامية للسجون والرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب و المجلس الوطني لحقوق الإنسان، نقاشا كبيرا بين المتتبعين للشأن الديني والسياسي، وخاصة على مستوى الضمانات و ارتباط الإفراج عنهم بالعفو الملكي. "أنفاس بريس" اتصلت بالدكتور محمد أحداف، الخبير وأستاذ المسطرة الجنائية بكلية الحقوق مكناس، وأجرت معه الحوار التالي:

+ كيف تقرا موضوع برنامج المصالحة مع الجهاديين الإسلاميين من داخل السجون سواء على مستوى الأطراف المشاركة فيها أو على مستوى ارتباطها بالعفو الملكي، الذي كما اعتقد هو عفو عن العقوبة وليس عن الجريمة؟

++ في قراءتي الشخصية يجب الفصل بين العفو الملكي وإطار المصالحة كما سوق لها للرأي العام الوطني والدولي، فالعفو هو حق وصلاحية دستورية للملك يمارسها بالطرق التي تروقه ووفق المصالح العليا للبلد. والإشكال يكمن في المصالحة في حد ذاتها لأنه واهم من يعتقد أن فتح باب المصالحة أمام هؤلاء الجهاديين الذين أدينوا في قضايا الإرهاب سوف يقود بطريقة آنية أو على المدى المتوسط إلى نوع من التوبة في أوساط الجهاديين. وهذه قراءة خاطئة والخطير في هذه المقاربة يتمثل في الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى: وتكمن في السؤال عن ما هي الضمانات التي يمكن من الناحية القانونية إلزام بها هؤلاء الذين استفادوا من العفو الملكي في إطار هذه المصالحة؟ وبأنهم لن يعودوا إلى الفكر التكفيري؟ فالجهادي يصرح في السجن على أنه تاب ولكن هذه التوبة ليست ملزمة له من الناحية القانونية لأنه قد يعود غدا أو بعد غد إلى ممارساته سابقا ونشر الفكر التكفيري والجهادي في أوساط الشباب، وهذا احتمال وارد بقوة و هو وحده كفيل بأن يهدم أسس هذه المصالحة.

الملاحظة الثانية: الإعتقاد الخاطئ لمن قام بهذه الوساطة بأن فتح باب المصالحة وبالعفو يمكن أن يؤدي إلى تهدئة الأوساط التكفيرية والجهادية في المغرب، ونحن نعلم أن هذه الأوساط هي خليط غير متجانس بحيث إذا فتحت نقاشا مع تيار فهنالك عشرات التيارات الأخرى التي لم يفتح معها أي نقاش، وهذا صعب للغاية لأنه لو كان الأمر يتعلق بتيار واحد له زعامة و إطار منظم لكان الأمر أهون وأسهل، لكن الأمر كما قلت يهم تيارات عديدة غير متجانسة، والأكثر من ذلك بأن هؤلاء من ذوي المستويات التعليمية المتدنية من باعة متجولين وغيرهم من الأشخاص أنا اعتبرهم من المغرر بهم في هذا الباب حيث يعتقدون أن باب الجنة هو الجهاد ونشر الفكر التكفيري.

والملاحظة الثالثة: هي الفكرة التي تجعلني أتخذ موقفا سلبيا من المصالحة بالطريقة التي روج لها كل من المجلس الوطني لحقوق الإنسان والرابطة المحمدية لعلماء المغرب والمندوبية السامية للسجون وهي خرق مبدإ المساواة بين المواطنين، لأنه عندما أفتح باب المصالحة والنقاش للإقرار بالذنب مقابل إطلاق السراح للسجين والإقلاع عن التمادي في هذا التفكير، فأعتقد أن المنطق يقتضي فتح وتعميم مثل هذا النقاش مع كل السجناء المتورطين في كل الجنايات والجرائم من قتل واغتصاب وسرقة وتكوين عصابات إجرامية إلخ.. لأن السؤال المشروع ويفرض نفسه هنا هو لماذا بالضبط هؤلاء من غيرهم من السجناء الذين استفادوا من المصالحة وعلى أي أساس؟ وكل السجناء مواطنون أخطأوا في مرحلة من المراحل ومن باب أولى أن نفتح باب المصالحة مع الجميع مقابل إقرارهم واعترافهم بدورهم بأنهم لن يعودوا إلى نشاطهم الإجرامي، وبالتالي فقد تم بهذه المصالحة تعاطي تمييزي بين المواطنين و خرق مبدإ المساواة كحق يكفله الدستور للجميع.

+ يرى البعض أن برنامج المصالحة كان يجب أن يتسع ليشمل مكونات سياسية حقوقية ومن المجتمع المدني ولا تقتصر على الأطراف الثلاثة؟

++ صحيح، لابد أن أشير بداية بأن مكونات المجلس الوطني لحقوق الإنسان لا تعكس نسيج المجتمع المغربي ككل. ففي هذا المجلس يغيب الباحثون في حقل العلوم القانونية والجنائية وحقوق الإنسان والذين لهم باع طويل في الجامعات المغربية، حيث تم استثناؤهم من تركيبة المجلس، وأعتقد أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان كان عليه قبل أن يقدم على النقاش حول المصالحة أن يعلم أنه سوف تتلو النقاش عمليات العفو.

وهذا معمول به في عمليات بدول أخرى كما وقع عند وضع حد للحرب الأهلية بكولومبيا وفي العشارية السوداء بالجزائر التي أعلن فيها عن العفو مقابل نزع السلاح، وكان النقاش هناك ينصب حول الجوهر الفلسفي والسياسي للبلد في المستقبل، لكن عندنا هنا ينطلق المجلس الوطني لحقوق الإنسان من مجرد فرضية وهو غير متأكد من صواب هذه الفرضية أي أنه يرى أن الإقرار بالذنب والتخلي عن الفكر الجهادي سوف يتلوه نوع من الإندماج الإجتماعي والسياسي، وأعتقد أن المجلس كان عليه أن يلجأ إلى دراسات علمية أكاديمية مسبقة حول قابلية هؤلاء المواطنين بالفعل للإندماج والتخلي عن الفكر التكفيري الجهادي أم أن الأمر لا يعدو أن يكون نوعا من ممارسة "التقية" المعروفة لدى الأوساط الإسلاموية يعني "حني الراس وتمسكن حتى تتمكن". وأنا شخصيا أظن أن هؤلاء لا ثقة فيهم و التجارب أوضحت ذلك، وهنا أدعو و بكل صدق المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى إعادة قراءة و مراجعة الملفات التي أحيلت على القضاء المغربي في قضايا الإرهاب، وسوف يصاب بنوع من الرعب عندما يكتشف على أن نسبة مهمة ممن أدينوا في العملية الإرهابية التي هزت الدار البيضاء ماي 2003 وبعد أن استنفدوا مدة العقوبة أو استفادوا من العفو عادوا و ارتكبوا جرائم إرهابية من جديد وأسماؤهم معروفة لدى الأوساط القضائية والقانونية ولا يسع المقام لذكرها إسما بإسم، وهذا ما يفيد على أنه لا جدوى من الإكتفاء بهذا النوع من المصالحة.

+ لكن المفارقة أن المصالحة بهذا الشكل تتم على حساب ضحايا العمليات الإرهابية التي اقترفها هؤلاء الجهاديون "التائبون" فكيف يتم جبر الضرر للضحايا وعائلاتهم؟

++ تماما فعندما قلت بأن المجلس الوطني لحقوق الإنسان كان عليه أن يشرك الباحثين والأكاديميين في دراسات علمية للإطلاع على تجارب مقارنة بدول أخرى مثل ما حدث في مصر. ففي مرحلة معينة بهذه الدولة لجأ السادات إلى هذا النوع من المصالحة وأفرج عن آلاف الإخوانيين والإسلاميين الذين كانوا في السجون من أجل الإندماج و المصالحة الوطنية و القضاء على المد والتيار الإخواني، لكن في نهاية المطاف لدغته نفس الأفعى التي تصالح معها وتم اغتياله من طرفهم، لهذا وحول مسألة الضحايا التي ذكرت في سؤالك فإن المجلس الوطني مطالب علاوة على تسلحه بدراسات علمية تنجز من طرف خبراء مغاربة أكفاء للإطلاع على التجارب المقارنة، ولمعرفة مدى نجاعة خطوة "المصالحة" العمل كذلك على إشراك الضحايا وعائلاتهم لأنه لا يستقيم أن نتصالح مع شخص دون أن نستمع إلى ضحاياه، بل وسيكون مؤلما بالنسبة لهؤلاء لأنه في آخر المطاف ستشعر بأن الدولة والمجتمع تخلوا عن الضحايا وعائلاتهم من أجل التصالح مع القتلة وهذا أمر غير مقبول على الإطلاق باسم العدالة الإلهية.

وأنا مقتنع بل وأقسم لو كان الأمر متعلق بالعدالة الأمريكية و العدالة الغربية سواء في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا فلن يطلق سراح المعتقلين في عمليات إرهابية باسم المصالحة، حتى ولو أقروا بالذنب واعترفوا بالخطيئة فالمنطق الإنساني يرفض هذا.

ودعني أختم بأن الأمر هنا في المغرب كان يقتضي مقاربة المصالحة من نوع آخر تأخذ بعين الإعتبار إشراك الضحايا وإنجاز دراسات علمية، وربما بعد قضاء هؤلاء الجهاديين الثلثين من العقوبة المحكوم عليهم بها، فيمكن آنذاك فتح النقاش حول هذا الموضوع. هذا دون أن أنسى تسجيل السؤال العريض بلون أحمر "مسئولية من لو قام أحدهم بعملية إرهابية خلفت ضحايا بعد سنة أو سنتين على إطلاق سراحه بعد المصالحة؟".