الخميس 22 أغسطس 2019
كتاب الرأي

الصادق العثماني: المغاربة لا يأخذون دينهم من "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"

الصادق العثماني: المغاربة لا يأخذون دينهم من "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" الصادق العثماني
للأسف الشديد، هناك قضايا كثيرة وحساسة في الإسلام تم تجاهلها أو عدم البحث فيها من قبل الفقهاء والتي تحتاج إلى مزيد بحث ودراسة‎ وهي العلاقة بين الديني والدنيوي، أو إن صح التعبير بين الكوني والشرعي، وبين شؤون الحياة الاجتماعية المادية المحضة والأحكام الدينية الشرعية، فهذه الأمور تحتاج إلى تجديد وتفكير وبحث؛ لعلنا نخرج من دائرة الصراع بينهما ومن مأزق التعارض الذي صوره لنا الفقهاء في تراثهم الفقهي، مع العلم أن تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن على وتيرة واحدة كما يظن البعض أو صيغة معينة محددة؛ بل اتخذت صفات عدة، ويجب أن يفهم كل تصرف منها في السياق الذي جاء فيه، فهو صلى الله عليه وسلم نبي مرسل مشرع، وهو إمام المسلمين ورئيس دولة، وهو إمامهم في صلاتهم وخطيب جمعتهم، وهو أيضا قاضيهم الذي يحكم بينهم بالعدل، وهو مفتيهم الذي يسألونه عن شؤون دينهم، وهو وزير الدفاع وقائد الجيش في المعارك والحروب، وهو مع ذلك بشر يصيب ويخطئ ويجتهد ويخطط ويفكر، ويعتريه ما يعتري البشر من النسيان والخوف والجوع والمرض وغير ذلك..
وانطلاقاً من هذا المبدأ فإن تصرفاته تختلف أحكامها باختلاف الصفة التي انطلقت منها، فتصرفه بمقتضى الرسالة العامة توجيه وتشريع عام، وتصرفاته بمقتضى منصب الإمامة تثبت لرئيس الدولة ولإمام المسلمين، وتصرفه بمقتضى منصب القضاء قضاء ملزم، وبمقتضى الفتوى فتوى، وتصرفه بمقتضى إمامة الصلاة تثبت لمن تولى هذا المنصب، وتصرفه بمقتضى قيادة الجيش تثبت لقائد الجيش المسلم وهكذا..وتصرفه في شؤون الحياة الدنيوية (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) تثبت لأهل الاختصاص وللمسؤولين والخبراء والبلديات والمؤسسات ومن له فهم وخبرة ودراية بشؤون الحياة الدنيوية، وحسب المسؤولية والمهام التي أوكلت إليه..وقد اهتم الإمام القرافي مبكرا بهذا الجانب وكتب فيه كتابه المشهور "الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرف القاضي والإمام " لكن للأسف، كتب القرافي وغيره من العلماء واجتهاداتهم النيرة أقبرت وطمست وكنست من مقررات جامعاتنا الإسلامية ومعاهدنا الدينية، والسبب هو زحف فقه عصور الانحطاط وفقهاء التقليد والجمود مع تناسل الجماعات الدينية التكفيرية والجهادية، فأصبحت أغلب البحوث في جامعاتنا الإسلامية عبارة عن نسخ ولصق من الكتب الفقهية القديمة لا جديد ولا إبداع فيها ولا إضافات حقيقية للفقه وللمعرفة والعلم؛ بل تكرار واجترار لأقوال فقهية قديمة بعيدة كل البعد عن واقع الحياة المعاصرة، فقط من أجل نشر البحث والإيفاء بشروط الترقية والاستحقاق الوظيفي.. نسوق هذا الكلام بسبب زيارة بابا الفاتيكان إلى المغرب والتي خلقت ضجة كبرى عند هؤلاء الذين ما زالوا يقتاتون على فتاوى أصبحت متجاوزة حكما وعقلا وشرعا، كما كشفت زيف بعض مشايخ وزعماء التيارات الإسلامية في المغرب والوطن العربي وبؤسهم الفقهي والمعرفي والثقافي والسياسي والاستراتيجي؛ بالإضافة إلى عدائهم لقيم الجمال وللحرية الدينية وللتعايش والتسامح وكره الآخر المختلف، ومن يتابع تدويناتهم وتنديداتهم وبياناتهم، وآخرها البيان الاستنكاري الذي أصدره ما يسمى ب: "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" يصاب بالحيرة والدهشة والخوف على مستقبل الأوطان ومستقبل الإسلام أيضا؛ حيث تم من خلاله مهاجمة زيارة البابا للمغرب وعلى وجه التحديد الوصلة الفنية التي قدمت له في معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، والتي مزجت بذكر الله تعالي وبتهاليل اسلامية وترانيم يهودية ومسيحية في قالب فني بديع، هذه الوصلة الفنية العادية والرائعة جدا اعتبرها البيان مخالفة لشرع الله تعالى ومحذرا (أي البيان) في الوقت نفسه المغرب والمغاربة وأميرهم الشرعي الملك محمد السادس حفظه الله، أن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ..!. مع أن ذكر الله (الله أكبر) مزجت عند الإرهابين منذ سنوات بالقتل والذبح والتفجير ولم يحرك "الاتحاد العالمي لعلماء المسلين " ساكنا ولم ينطق بكلمة واحدة أو يدين ما تفعله داعش وأخواتها بشهادة التوحيد وباسم الله تعالى، حتى أصبحت (الله أكبر) ترعب شعوب العالم ! . ومن يعيش في بلاد الغرب يعي ما أقول؛ بحيث الكثير من أبناء الجاليات المسلمة غيروا رنات هواتفهم التي كانت مبرمجة برنة الأذان خوفا من متابعتهم وملاحقتهم واتهامهم بالإرهاب، هل فهمنا لماذا اقتبست بعض كلمات الأذان في الحفل الموسيقي الفني الذي قدم في حضرة البابا والملك محمد السادس حفظه الله، والذي شاهده أكثر من مليار مسيحي ومسلم عبر دول العالم ؟. أنصح الإخوة في الاتحاد العالمي (المصنف على لوائح الإرهاب في دول الخليج) بمراجعة كتب السياسة الشرعية وهي متوفرة والحمد لله في مكتباتنا، لعلهم يفهمون أبجديات السياسة الشرعية ونظم الحكم المعاصرة، والعلاقة التي تجمع بين فقه الواقع وفقه الأولويات والموازنات ، ومن يقرر نوعية العلاقة بين الأمم والشعوب والسياسات الخارجة للدول؟ هل القائد ( الخليفة = رئيس الدولة) الذي هو أدرى بالسياسة وشؤونها ودروبها وتشعباتها وإمكانياته المادية أمام التحديات والموازنات بين المصالح والمفاسد، ومراعاة مآلات الأمور، أم المؤسسات والجمعيات والاتحادات ومشايخ الفتن والهجرة والتكفير؟.
نستنتج من هذا كله -ومما لا يدع مجالا للشك- بأن مشوار الإصلاح والتجديد الديني وغربلة كتب التراث وفهم والعالم والانفتاح على مكوناته وأطيافه مازال طويلا جدا لدى دول عالمنا العربي والإسلامي، وما دمنا نسمح لهؤلاء بتأسيس نوعيه هذه المؤسسات والجماعات والاتحادات -التي ما زالت تفكر بعقول فقهاء القرون الوسطى-فلا ننتظر إلا الخراب والهزائم والتخلف والفقر والجوع والتشتت والضياع والجهل المركب، لهذا كانت خطابات الملك محمد السادس، وبابا الفاتيكان فرنسيس، السبت الماضي بالمغرب واضحة جدا؛ بحيث دعا الطرفان إلى فهم الدين ومقاصده الكلية وأهدافه الإنسانية العامة وقالا: "الدور الصحيح للدين في المجتمع الحالي، الدين الذي يوحد الشعوب ولا يقسمهم، الذي يبني السلام وليس العنف والجسور وليس الجدران، الذي ينشر الحب وليس الكراهية والذي يكافئ التضامن وليس الأنانية،وبأن هناك تحديات من نوع جديد، تستمد خطورتها من خيانة الرسالة الإلهية وتحريفها واستغلالها، وذلك من خلال الانسياق وراء سياسة رفض الآخر، فضلا عن أطروحات دنيئة أخرى.."، وما هذا البيان في الحقيقة الذي صدر من "الاتحاد" إلا من الأطروحات الدنيئة الأخرى؛ لكونه تدخل في شؤون لا تعنيه، مع تطفله على شؤون الفتوى في بلد توجد فيه مؤسسة إمارة المؤمنين منذ 14 قرنا، بالإضافة إلى مجالسه العلمية ومراجعه الدينية ومن وكل إليهم أمر شؤون الفتوى.
ما أحوجنا اليوم إلى الفهم المقاصدي للقرآن الكريم وللسنة النبوية، لأن حفظ نصوص القرآن أو السنة واستظهارها والاستدلال بها دون فهمها وفهم مراميها وأهدافها مع استحضار سياقاتها الزمانية والمكانية قد يوقعنا في كثير من الانزلاقات وقد يخرجنا عن جوهرها ومقاصدها بالمرة، ويجعلنا أضحوكة للعالمين، وعلى سبيل المثال فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما حث أصحابه وأمته على السواك وقال: " لولا أن أشق على أمتي او على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" وإذا كان القصد من السواك هو طهارة الفم والحفاظ على صحته ، وعلى رائحته الطيبة ، وإزالة أي آثار لأي رائحة كريهة مع حماية الأسنان وتقوية اللثة ، فإن هذا المقصد كما يتحقق بعود السواك المأخوذ من شجر الأراك يتحقق بكل ما يحقق هذه الغاية ، فلا حرج من فعل ذلك بعود الأراك أو غيره ، كالمعجون وفرشاة الأسنان ونحوهما ، أما أن نتمسك بظهر النص ونحصر الأمر حصرا ونقصره قصرا على عود السواك دون سواه ، وجعل من هذا العود علامة للتقى والصلاح بوضع عود أو عودين أو ثلاثة منه في الجيب الأصغر الأعلى للثوب ، مع احتمال تعرضه للغبار والأثرية والتأثيرات الجوية ، ونظن أننا بذلك فقط دون سواه انما نصيب عين السنة ومن يقوم بغير ذلك غير مستن بها فهذا عين الجمود والتحجر وضيق الأفق في فهم رسالة القرآن وفهم السنة النبوية الشريفة، مع العلم انه لو عاش الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام إلى زماننا هذا لاستخدموا أفضل وأنفع ما توصل إليه العلم في سائر المجالات، ولأبرموا اتفاقيات مع الأمم المتحدة، ومع السوق الأوروبية المشتركة ومع السوق المشتركة لدول أمريكا اللاتينية (ميركوسول) ، ولمنعوا تجار الدين وأصحاب هذا البيان التحدث باسم الإسلام والمسلمين .
وختاما، فزيارة بابا الفاتيكان للمغرب بدعوة من الملك محمد السادس حفظه الله تعالى ينبغي أن تسجل من مداد من ذهب في تاريخ الحوار الإسلامي المسيحي ؛ بحيث حققت نجاحات كبيرة مبهرة وعلى جميع المستويات..من خلالها استطاع المغرب والمغاربة قاطبة إرسال رسائل قوية للمتتطرفين والإرهابيين في كل مكان ومن أي ديانة كانوا ومن أهمها، وهي أن المغرب بلد السلم والسلام والتعايش الحضاري، وسيظل من المدافعين والمساندين للتعايش والتسامح وحوار الأديان رغم أنف تيارات الحقد والكراهية وصناع فكر التوحش، ومن يريد أن يزرع سموم الكراهية والتطرف والعنصرية والإقصاء والعنف والإرهاب في صفوف الشعب المغربي المسلم لن يستطيع إليه سبيلا؛ لأن المغاربة لا يأخذون دينهم ودروسهم من "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، فغزواته ومجازر فتاوى مشايخه وعلمائه في سوريا وليبيا وباقي دول "الربيع" العربي كافية لأخذ الحيطة والحذر مما يصدر عنه من بيانات وفتاوى ، والتي لا تساوي عند الشعب المغربي جناح بعوضة.
 
الصادق العثماني، داعية وباحث في الفكر الإسلامي وقضايا الإرهاب والتطرف