الجمعة 19 يوليو 2019
كتاب الرأي

محمد بوبكري: في بعض عوائق القراءة

محمد بوبكري: في بعض عوائق القراءة محمد بوبكري

يرى أغلب الباحثين في مجال القراءة أن القُرَّاء يواجهون خلال ممارستها عوائق كثيرة يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع؛ ثقافية وتقنية وبيداغوجة:

1 ـ عوائق اجتماعية وثقافية:

يلاحظ المهتمون بالقراءة أن أغلب القراء في مجتمعنا غير متعودين على الممارسات الاجتماعية للمكتوب، إذ أن القدرة القرائية ترتكز أساسا على معرفة الإنسان بثقافة الكتاب وعلى ما راكمه من تجربة في هذا المجال. فغالبية الناس عندنا لا يمتلكون الإمكانيات المادية لاقتناء الكتب، كما لا يترددون على الخزانات العمومية ولا على المكتبات، لأنهم لا يجدون ذواتهم في هذه الفضاءات؛ لأنهم لا يحسنون استعمال الكتب في حياتهم، بل لا يشعرون بالحاجة إليها أصلا. إنهم يحملون تصورا مُشَوَّها حول الكتاب، كما أن القراءة ليست هي النشاط المفضل في محيطهم، حيث لا ينتمون إلى أوساط اجتماعية وثقافية تهتم بالكتب وتناقشها وتتبادل الأفكار حولها. وبذلك، فهم لا يعرفون انتقاء الكتب ولا النصوص لأنهم لا يمتلكون أسئلتهم الخاصة التي تجعلهم يُطورون مشاريع قرائية خاصة تروم إنجاز أهداف فردية أو مهنية...وتبعا لذلك، فغياب مشاريع شخصية للقراءة يحول دون الفرد وبناء معنى لما يقرأ، بل يجعل قراءته سطحية وبدون معنى. يرمي الإنسان من وراء ممارسة القراءة إلى الحصول على معلومات معينة، أو إلى الترفيه، والفعل، والتخيل، والتعلم، والتثقيف، والإجابة على سؤال معين، وإشباع فضوله المعرفي.... فلا توجد قراءة خارج اهتمامات القارئ ومقاصده (Gérard Chauveau, 2003). عندما ترتبط القراءة بمشروع فردي للقارئ، فهو يكون مُحفَّزا لممارستها، إذ يُقبل عليها بنهم، لأنها تحمل آنئذ معنى بالنسبة إليه.

إن التلميذ الذي لا يطور أي مشروع شخصي للقراءة ينظر إلى القراءة باعتبارها مهمة يجب تنفيذها،ما جعله لعاجزا عن إدراك معنى النص الذي يُقترح أو يُفرض عليه للمطالعة. ثمة عائق ثقافي آخر يعود إلى طبيعة الإطار المرجعي للقارئ، إذ بالرغم من أن عالمنا أصبح غنيا بالتعابير والمفاهيم من كل نوع (تاريخية وجغرافية وفنية واقتصادية وعلمية ولغوية وأدبية...)، وصار يتميز بوفرة الكتب وغزارتها وتنوعها، فأغلب الناس لا يهتمون إلا بما هو عملي ونفعي دون ربطه بما هو نظري. لكن هذا لا يفيدهم كثيرا إن لم يفدهم في أي شيء، حيث عندما تغيب ثقافة الكتاب لدى أغلب الناس، فهم لا يرجعون إلى الكتب باعتبارها مصدرا لمعلوماتهم ومعارفهم وتكوينهم ونموهم. وهذا ما يعوق اكتشافهم وفهمهم للنصوص الأدبية والفكرية والعلمية العميقة التي تقع خارج حقل تجاربهم الشخصية المباشرة البسيطة والمحدودة، بل إنهم لا يعرفون ذواتهم ولا العالم المحيط بهم، ولا يمكنهم أن يبدعوا ولا أن يكونوا فاعلين في التاريخ...

2 ـ عوائق تقنية ولغوية:

يتمثل هذا النوع من العوائق في عدم تَمَكُّن أغلبية الناس من العمليات الأساسية للقراءة، حيث لا يعرفون فك الرموز الخطية ولا القيام بالتمثلات العقلية، كما لا يستطيعون تخزين الأفكار والمعلومات ومعالجتها، ولا القيام بأنشطة الاستنتاج والاستدلال والربط بين مختلف القرائن وتوظيف معارفهم السابقة في القراءة وتطوير الفرضيات...

يجد بعض القراء صعوبات في التعرف على بعض الكلمات، والإحاطة بها في مجملها عبر معرفة مكوناتها وأصولها ومصادرها...، من أجل قراءتها. كما لا يعرفون إقامة علاقة بين صوت الحرف ورسمه، وتقليص المدة الزمنية لتثبيت كلمة معينة أو جزء منها، وتنويع حجم القفز من جزء من نص إلى جزء آخر منه، وتجنب التلفظ الذهني لما يُقرأ خلال مزاولة القراءة الصامتة subvocalisation... فهناك عدد كبير من العوائق التقنية التي تعوق إنجاز القراءة فتؤثر سلبا على بناء معنى النص. وهكذا، فبقدر ما يتقلص النشاط المعرفي لدى القارئ لفك الرموز يتضاءل إدراكه وفهمه لمعنى رسالة النص.
هناك قراء آخرون لا يرون أية صورة في ما يقرؤون. وتحول مشكلة التمثل العقلي هذه دون امتلاك الملكة التأويلية التي تقتضي، على الأقل، تحديد المعلومات ذات الصلة المتناثرة في النص واختيارها والربط فيما بينها وتخزينها... وهناك قراء يجدون أنفسهم في وضعية غير مريحة عندما تتطلب القراءة منهم القيام باستنتاجات وجعل ما هو ضمني صريحا وتسويد بياضات نص حكاية معينة. كما من النادر أن نجد قراء يوظفون معارفهم السابقة - التي قد يتعلق الأمر فيها بمعلومات عامة حول العالم واللغة والنصوص... لفهم نص معين. أضف إلى ذلك أن مِنَ القراء مَن لا يعرفون النص الموازي paratexte لتطوير فرضيات حول نوع نص ما. لكن التحديد العام للنص يخلق أفق الانتظار ويدعم عملية الفهم. وأخيرا، يجد بعض القراء صعوبات في التنبؤ بنهاية الحكاية مستعملين مؤشرات النص أو مستحضرين الشفرات الثقافية أو القوالب النمطية لنوع النص.

يؤدي تجاهل مختلف أنماط القراءة (القراءة المفصلة والانتقائية والشمولية والسيميائية) إلى إعاقة فهم النص. فقبل سنوات، قام (Alain Bentolila من جامعة ديكارت، السوربون V) بتجربة على خمس مائة شاب وشابة يعانون من صعوبات في القراءة، فطلب منهم قراءة نص معين وأخبرهم بأن مناقشته ستعقبها مباشرة. ولاحظ بعد ذلك أن ما يناهز السبعين بالمائة من هؤلاء الشباب قد حلقوا فوق النص بسرعة فائقة، مما انتهى بهم إلى الابتعاد عن المضمون الفعلي لنص الحكاية وتشويهه. وهذا الموقف الذي يقتضي المشي على كلمات النص والاستخراج التعسفي للمفردات المتكررة فيه بنسبة عالية من أجل تطوير سيناريو حقيقي، لا يشكل إستراتيجية فعالة في البحث عن المعاني الممكنة للمقروء.
إن اختيار نمط القراءة الملائم للمشروع الشخصي هو بدون شك مقدرة تدخل في إطار النشاط الميتامعرفي métacognitive للقارئ.

ويبدو أن غياب التدريب على هذه الممارسة التأملية يشكل عائقا آخر في وجه فهم النص. وفعلا، عندما يتعيَّنُ على القارئ أن يدبر ضياع المعنى سيكون مفيدا ألا يقتصر عمله على الوقوف عند التشخيص، بل ينبغي أيضا أن يضع ّإستراتيجية لإيجاد سبيل لاستعادة المعنى الضائع (A. Bentolila, 1994). وهذا ما يقتضي العمل على تطوير تدريسيات فعالة...

3 ـ عوائق تربوية وبيداغوجية:

إذا كان لمقاربات المدرسين أثر في تطور ملكات القراءة لدى التلاميذ، فعوائق الفهم والتأويل يمكن أيضا أن تجد تفسيرا لها في بعض الممارسات المدرسية. يمكن تفسير العائق البيداغوجي الأول بـ "عدم التلاؤم" المؤقت بين النص الذي اختارته المدرسة ونمط القراءة المقترح أو المفروض من قِبلها والنمو السيكولوجي للمراهق. وتبين أعمال Erich scholon حول "تكوين القارئ" أن القراء المتعطشين يعون قطعهم للمراحل المختلفة. ومن بين هذه المراحل توجد فترة بين سن السادسة عشرة والسابعة عشرة حيث قد يُقبـل المراهق على القراءة بنهم أو ينقطع عنها أو تصير الكتب أقل إثارة وإغراءا له. ففي هذه اللحظة يولد اهتمام جديد لدى الشاب بما هو واقعي، حيث تجذبه علاقات الصداقة والحب... فالقراء الشباب يبحثون عن حكايات قريبة من رغباتهم وأحلامهم ومشاريعهم الخاصة والتي تجيب على أسئلتهم الخاصة. وهكذا يمكن أن نفهم الصعوبة التي يواجهها المدرسون، حيث يكون التلاميذ المتمركزون حول ذواتهم والمهتمون بمشاكل الهوية يأملون مقاربة وجدانية للنصوص المقروءة في حين تطلب المدرسة منهم عدم الاهتمام بالذات والانخراط في قراءة بعيدة عن اهتماماتهم...
ويكمن العائق البيداغوجي الثاني في أن المدرسة تطلب من صغار التلاميذ القيام بقراءة سطحية وبسيطة للنصوص وتخصص القراءة التأويلية لكبار التلاميذ، حيث تؤمن بالتطبُّع habitus القائم على خرافة التدرج في ارتقاء عالم القراءة والمعرفة المتشعب والمعقد. وترى Catherine Tauveron أنه إذا كان التلاميذ يواجهون صعوبات في توظيف قدراتهم التأويلية، فقد يرجع ذلك إلى أنه يتم سجنهم لمدة طويلة في القراءة البسيطة دون تمكينهم من تنمية قدراتهم التأويلية في وقت مبكر.
أما العائق البيداغوجي الثالث، فيكمن في اعتقاد المدرس أنه يمتلك وحده التأويل الصحيح للنص المقروء، ومن ثمة فهو لا يبدي تسامحا تجاه التأويلات التي قد يطورها التلاميذ. ويحدد هذا الموقف بشكل كبير نمط قراءة التلميذ، حيث تغيب حريته ويقتصر عمله على إعادة إنتاج التحليل التفسيري للمدرس، الأمر الذي لن يمكنه من أن يكون ذاته (Jean-louis Dufays et autres, 2005)..
إن سؤال كيفية ممارسة القراءة هو أكثر تشعبا وتعقيدا من سؤال الهدف منها، حيث نجد أنفسنا أمام تعدد المرجعيات والطرائق وتنوع النصوص واختلاف المتعلمين...