الجمعة 19 إبريل 2019
اقتصاد

فاطمة سمر، نموذج الفلاحة الدكالية المكافحة التي فرضت نفسها بمنطقة خميس الزمامرة

فاطمة سمر، نموذج الفلاحة الدكالية المكافحة التي فرضت نفسها بمنطقة خميس الزمامرة فاطمة سمر، في دردشة مع الزميل أحمد فردوس

لم تكن تعلم  فاطمة سمر، وهي تقترب من تحقيق حلم التحصيل والدراسة والحصول على شهادة وديبلوم محاسبة، وشابة متخصصة في مهنة فصالة وخياطة الأزياء، أن مستقبلها يخبأ لها ما لم يكن في الحسبان، وأنها ستتحمل في آخر لحظة، عبء آخر من أعباء الحياة، وسترسم لنفسها مسارا غير ذلك الذي رافقها وهي طالبة تحلم مثل زميلاتها بتحقيقه. " بعد انتهاء مشواري الدراسي قررت أن أفتح مدرسة لتعليم أصول، الفصالة والخياطة للنساء والفتيات، (موديليست)، على اعتبار أن مدينة خميس الزمامرة، بعمالة سيدي بنور، تفتقد لمثل هذه المشاريع المدرة للدخل"، تقول فاطمة سمر ذات الثلاثين ربيعا، وهي تحكي أسرار سيرتها المهنية.

لكن فاجعة / حدث موت والدها الفلاح خلال شهر أكتوبر 2010 ، شكل لها منعطفا رئيسيا في اختياراتها، بعد أن فقدت الأسرة معيلها، وأحد ركائز ودعائم الاستقرار والحياة والأمن ببادية خميس الزمامرة بمنطقة دكالة، التي تعتمد على الزراعة والفلاحة كمورد للحياة والعيش.

ولوجي لعالم الفلاحة كان بمحض الصدفة ودون تخطيط مسبق " لقد كنت مصممة على تنفيذ مشروع مدرسة الفاصلة والخياطة العصرية، لكن القدر أراد شيئا آخر، في لحظة رحيل الوالد رحمة الله عليه، والذي كان يشتغل على الزراعة والفلاحة السقوية... في رمشة عين تغير اتجاه بوصلة مشروعي نحو الفلاحة"، تحكي الفلاحة فاطمة سمر الدكالية .

مع شهر حلان الزريعة ( أكتوبر ) واستنفار الفلاح الدكالي لكل امكانياته اللوجيستيكية والمادية لحرث الأرض، وجدت عائلة فاطمة سمر نفسها وجها لوجه أمام سؤال التحدي لعملية الحرث وزرع الأرض، والقيام بواجبات ضرورية لضمان استمرارية الوجود بالمنطقة فكان الجواب صعبا والقرار أصعب ، وجاء الخلاص : " لما توفي والدي ، طرح سؤال ما العمل ؟ ومن سيتحمل مسؤولية زراعة الأرض، ومقابلة الأشغال الشاقة والمضنية طيلة السنة، وفي فترات جد صعبة تتطلب القوة والصبر والمهارة؟"

فرغم أن للأسرة أبناء ذكور خارج المجال الجغرافي " إلا أنهم يشتغلون بمهن وتخصصات أخرى، ولا يمكنهم القيام بأعمال الفلاحة والزراعة "، تؤكد فاطمة، مما عجل بقرارها، فشمرت على ساعديها وقالت بصوت عال " أنا فلاحة أسرة سمر، ولن أتنازل عن هذا القرار الصعب، أنا من سيعوض مكان الوالد ". كان قراري مفاجأ للجميع، خصوصا أن المرأة في مخيال المجتمع الذكوري غير قادرة على مواجهة الأعمال الشاقة. كان سلاحي في تنفيذ القرار هو "الصبر والعزيمة، والثقة في النفس، والإرادة القوية، وتمثل شخصية الفلاح / والدي الذي لم تفارقني صورته كقدوة ، وكان رهاني على استمرارية نبض الأرض وسخاء رحمها المعطاء"، تقول فاطمة التي شجعتها عملية السقي المتوفرة بالمنطقة.

"طبعا استغرب أفراد العائلة لموقفي الشجاع، وقراري الجريء، ونبهوني إلى أنني سأواجه عدة مصاعب خلال احتكاكي مع الفلاحين خارج البيت، لكنني عزمت وتوكلت على الله، واستعنت بما راكمته من تربية بالبادية وسط أسرة فلاحية محافظة ".

تلتقط أنفاسها وهي تحكي للجريدة"اقتحمت عالم أشغال الفلاحة من بابه الواسع، واقتفيت خطى والدي الفلاح في زراعة الحبوب والشمنذر، وساعدني في ذلك كون أراضينا الزراعية سقوية، وشجعني عامل السقي على العمل والكد والمتابرة دون تردد" .

وتوضح الفلاحة فاطمة سمر لجريدة " أنفاس بريس" بأنها لم تجد أي صعوبة أو مشاكل مع الجهات التي تعاملت معها على مستوى الإدارة و التوجيهات الفلاحية ، ونصائح خبراء المعهد الدولي للتغذية النباتية بالمغرب، لكنها عانت كثيرا في البداية من هكذا "مضايقات بعض الفلاحين، ونظرتهم الاحتقارية والدونية، والمحيط الذكوري بالمنطقة لم يتقبل أن تنافسه امرأة فلاحة، تعتمد على ساعدها وحنكتها، وصبرها وتقوم بكل الأشغال يوميا للحصول على مردودية انتاجية أعلى وأكبر وأجود ". فعلا لقد أحسست بأن هناك عيون "تنتقص من قدرتي على البدل والعطاء كامرأة، عيون أقرأ فيها عدم الرضى على تواجدي بالحقول الزراعية جنبا إلى حنب مع الرجل الفلاح، ألسن تردد أنني غير قادرة على الفلاحة، وبأنني أحاول تجريد البعض من شيء يملكونه هم وحدهم، و لا يمكن للمرأة أن تنافسهم فيه .."، هكذا وصفت فاطمة العيون التي كانت تتربص بها قبل أن تفرض وجودها بالعمل ولا شيء غير العمل، حيث امتلكت مفاتيح اسرار عشق الأرض.

الأنكى من كل ذلك تفسر الفلاحة فاطمة سمر أن "الفلاح / الرجل لا يتقبل نتائج مغايرة لمحصول امرأة يتجاوزه نسبيا، لا يقبل أن تكون المرأة الفلاحة أحسن منه انضباطا في الزمن للتعامل مع متطلبات الزراعة اليومية، مثل مواكبة عملية السقي الشاقة والمتعبة، وتنقية الأرض من الطفيليات، وتزويد الأرض بالأسمدة والمبيدات، والتواصل مع الشركاء لجني منتوج الشمنذر وحصاد الحبوب". وبشجاعة وتحدي كبير تؤكد على أنها " فْرضْتْ راسي بززْ وصحةْ.. في الميدان الفلاحي ".

بتجربتها الميدانية على أرض الواقع الدكالي استنتجت الفلاحة فاطمة أن "المرأة قادرة على تغيير نظرة الناس لها بالإرادة والعزيمة، والاستماتة في العمل، ومنافسة الرجل بالعمل في كل الميادين، في الهندسة، والتعليم والصحة والجندية والأمن والفلاحة كذلك ...لأن المرأة منضبطة في عملها وملتزمة في أداء راسلتها، وتتحمل مسؤوليتها بأمانة، ومكافحة ضد الكسل والجمود".

برنامج جدول عملها اليومي تطبعه الصرامة حسب توضيح فاطمة سمر " برنامجي صارم ومتعب لمن لا يؤمن بعمله، لأنه يجمع بين مسؤولية البيت ولتزامات الأرض وعلاقاتي الاجتماعية مع المياومين في الحقول الزراعية، ومع مكتب الإدارة وأطر وخبراء الاستشارة الفلاحية... ". وتعلل ذلك كونها تستيقظ قبل صلاة الفجر، لتقوم بأعمال البيت التي يجب أن تنهيها قبل الخروج للحقول الزراعية، " كلما كان العمل متراكما، والأرض تنتظر أعمال مختلفة، كلما استيقظت باكرا لأنجز مهامي بكل جدية، مثل مباشرةعملية سقي الأرض وري المنتوج الزراعي...أحيانا استيقظ على الساعة الرابعة صباحا، لاستغل الوقت، وأعد عجين الخبز، والفطور لأفراد العالئة، وأتفقد العمال المياومين في الحقول.."

فاطمة سمر نموذج فلاحة بدوية تحافظ على هويتها البسيطة، وعاداتها السهلة الممتنعة، مازالت تحافظ على نمط الحياة البدوية الدكالية بكل تفاصيلها الجميلة، تستعمل الخباز الطيني لطهي الخبز(لكرون) بالطريقة التقليدية : "حنا عروبية ونحافظ على نمط حياتنا البدوية التي تمتاز بنكهة خاصة حفاظا على صحتنا وسلامتنا، ونعشق رائحة الدوار كما تحكيها سيرة الأجداد".

في نظرها أن "الأشغال بالأرض الفلاحية مثلها مثل أي عمل آخر، لكنها تتطلب العزيمة والارادة والصبر، والاعتماد على النفس، وتحدي الصعاب، أنشطة الزراعة وسط الحقول الفلاحية، تخلق الفرص الجميلة وتزود الإنسان بالاحساس بماهية الوجود ..." . وبألق كبير قالت "لما أحصل على منتوج جيد في مختلف المنتوجات الزراعية، أقول في نفسي شكرا لله ، وتغمرني فرحة كبيرة، وإحساس بالقوة والأنفة، لذلك أنا مستمرة، أنا موجودة بالأرض وبالفلاحة وبالعمل الشاق والمتعب ، من أجل استمرار الحياة...شكرا لمن علمني معنى الصبر ".

ملاحظة : التقت جريدة " أنفاس بريس" بالفلاحة فاطمة سمر ، يوم الثلاثاء 19 مارس 2019 على هامش اللقاء التأطيري الذي نظم بمنطقة خميس الزمامرة بعمالة سيدي بنور، لفائدة فلاحي المنطقة، من طرف فريق من المؤطرين، والخبراء والباحثين، المرافقين للمدير التنفيذي للمعهد الدولي للتغذية النباتية بفرع شمال إفريقيا بالمغرب.