السبت 20 إبريل 2019
كتاب الرأي

محمد بوبكري: في التربية الإسلامية

محمد بوبكري: في التربية الإسلامية محمد بوبكري
إننا نصف الإسلام بالسماحة، لكن أغلبنا لا ينتبه إلى أن الحضارة التي أثر فيها وتأثر بها لم تكن دوما متسامحة؛ فقد اتسمت بعض فترات تاريخها بالانغلاق والعنف والتعصب والقتل، كما تميزت بعض فتراته الأخرى بالتسامح والانفتاح... وهكذا، فقد عرف تاريخها متعصبين ومتسامحين، حيث استند كل فريق في تبرير مواقفه إلى فهم وتأويل خاصين للقرآن والحديث النبوي. وما تزال كل جماعة تعمل إلى يومنا هذا على تحفيظ الآيات القرآنية لأبنائها دون أي تفسير منطقي وتنويري ومقاصدي معاصر، ودون تمييز بين محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وعام وخاص، ومطلق ومقيّد، وما إلى ذلك...
ودون حديث عن اختلاف الفرق في تحديد الآيات المتشابهات، حيث لا نجد المتشابه عند المعتزلة هو نفسه عند الشيعة، ولا عند الخوارج. فكل فرقة تصنف الآيات التي تتعارض مع مذهبها ضمن المتشابه. كما أن كل جماعة تجعل أبناءها يحفظون الأحاديث النبوية دون تمييز بين الصحيح والحسن، والقريب من الحسن والضعيف والموضوع، وبين مواقف مختلف الفرق من هذه التصنيفات والأوصاف. فما تراه فرقة معينة حديثا صحيحا قد تُكذِّبه فرقة أخرى لأنّها تجده متعارضا مع رأيها. ومن المعلوم أن هناك أحاديث كثيرة يعتبرها الشيعة صحيحة، لكنها عند السنة من الموضوعات...
لا يُنْظَر إلى النص الديني اليوم إلا من الجوانب الفقهية، أي من جوانب العبادة وأحكام الشرع. أما أبعاده الأخرى، وفي مقدمتها الروحية، فهي مطموسة، حيث تم تحويل الإسلام إلى مجموعة طقوس دينية، بدل أن يفتح أفقا للتفكير والتساؤل، وأفقا للعلاقة بينه وبين المعرفة. ولا يعني هذا السير على نهج بعض المؤولين الذين يسيئون للنـص القرآني بقولهم إن كل شيء موجود في النص القرآني... (أدونيس).
ومن الجلي أن الاتجاه الأول أكثر انتشارا ورواجا من الثاني، لكنه يقدم لنا تاريخنا صفحة بيضاء مشرقة تبعث على الفخر والاعتزاز. إنه لا يكشف عن تناقضات الواقع ومؤامراته وحروبه...، بل غالبا ما يوهم بسطاء الناس بأنه هو الواقع ذاته. كما أنه قائم على الخطابة، ويتوجه إلى العامة التي لا تمتلك القدرة على المساءلة والنقد... (علي أحمد الديري.)
أما الاتجاه الثاني، فينزع أي صورة مثالية عن التاريخ، حيث يدرس ما حدث فيه من وقائع مبينا الأسباب والعوامل التي جعلت الناس يختلفون في تفسير النصوص وما نتج عن ذلك من قتال أو تسامح...
وهكذا، فالاتجاه الثاني يرى أن الظروف التاريخية تؤثر في فهم الدين، كما أن الدين ذاته يؤثر فيها. وبالتالي، لا يمكن فهم التاريخ بالاقتصار على النصوص الدينية، كما لا يمكن فهم الدين بالاقتصار على التاريخ وحده. فدراسة الدين الإسلامي من خلال التاريخ فقط تشوهه، كما أن دراسة التاريخ من خلال النص الديني تقود إلى تبجيله وتقديسه... وتبعا لذلك، فليس تاريخ الحضارة الإسلامية مثالا جوهريا ثابتا ثاويا في النصوص، بل إنه ممارسة تاريخية متغيرة. فقد اتسم بالاختلاف والتقلب عبر الزمان والمكان، حيث ازدهرت مدن في فترة ما، وتراجعت في فترة أخرى. وبناء على ذلك، لا يمكن إصدار حكم ثابت عام ومطلق على كل تاريخ المجتمعات العربية الإسلامية.
لقد توصل دارسو ثقافة الإنسان إلى أنه كلما ازدهرت الظروف المعيشية وعَمَّ الاستقرار السياسي، كان الإنسان أكثر انفتاحا على الآخر وأغزر إنتاجا. وكلما ساد الفقر وعدم الاستقرار السياسي، كان الإنسان أكثر تعصبا وانغلاقا، وأقلَّ إنتاجا.
وهكذا، لا يكون الإنسان المسلم الذي يعيش في وسط فقير غير متعلم متسامحا ومنفتحا على الآخر، لأنه يفسر النص الديني حسب ظروف حياته.
وانسجاما مع ما سبق، ينبغي أن يتسم الدين في منهاجنا الدراسي بالروح الإنسانية التي تجعله لا يخضع لأي مفهوم سياسي أو طائفي أو حزبي، حيث يجب قراءة القرآن بمناهج حديثة، كما يتعين تقديمه إلى التلاميذ بكونه مرجعية قيمية وأخلاقية، وحاجة إنسانية تخلص الإنسان من القلق الوجودي الناجم عن تساؤلاته عن الله والكون والموت...
ومن الأكيد أن هذا المفهوم سيحدث توازنا نفسيا لدى التلاميذ، ويبعدهم عن التعصب والعنف. لكن هذا غير كاف، لأننا نلاحظ أنه غالبا ما تم استغلال الدين والتلاعب به في المجتمع عبر التاريخ العربي الإسلامي من أجل تحقيق مصالح بشرية. والمنهاج الدراسي الحالي لا يُمَكِّن التلاميذ والطلاب من معرفة الكيفية التي يحدث بها ذلك، ولا يقدم لهم ما يكفي من الأمثلة التاريخية التي توضح بجلاء كيفية تشويه مفهوم الدين وتحريفه عن مقاصده، حيث إن الدين يخاطب الإنسان بعيدا عن جنسه أو لونه... ولهذا، لا يستطيع التلاميذ عندنا إدراك كيفية تحايل بعض الفقهاء والشيوخ والساسة من أجل نزع مفهوم التسامح من الدين، الشيء الذي يجعلهم فريسة سهلة لجماعات الإسلام الحزبي التكفيرية التي تريد الركوب على الدين للوصول إلى السلطة. وهذه الجماعات لا تتبع الدين، بل تريده تابعا لها... إن الدين حاجة ضرورية للإنسان، لكن يجب احترامه والدفاع عنه والحيلولة دون تسييسه واستخدامه أداة للاستبداد...
لقد عرف تاريخ الحضارة الإسلامية فترات ازدهار وانفتاح على الثقافات الأخرى، استطاع فيها مفكرون مسلمون كبار أن يكتبوا مصنفات جادة لا تقف عند عرض منهج مؤلِّف أو مذهبه، بل تتجاوز ذلك إلى عرض جميع الاتجاهات والأفكار ومحاورتها... ويجد قارئ كتاب "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لابن حزم أنه يتضمن مقارنة بين الإسلام والديانات الأخرى، ومقارنات بين المذاهب الإسلامية، حيث عرض حججها وآراءها وناقشها بشكل منطقي، منطلقا أحيانا من زاوية اجتماعية... فشكل بذلك مادة ثقافية غنية مكنتنا من معرفة كيفية اختلاف البشر، وأسباب ذلك، والحجج التي يسوقها كل اتجاه لتبرير مواقفه وتسويغها. وبعد انصرام عشرات السنين على ظهور هذا الكتاب، ظهر كتاب "الملل والنحل" الذي سار فيه الشهرستاني على نهج ابن حزم...
ويبدو لي أن نهوض تدريس التربية الإسلامية عندنا على تعميق هذه الروح، سيمكن التلاميذ من معرفة الاختلاف بين الفقهاء المسلمين في مجالات الفقه والتفسير...، كما سيسمح لهم بإدراك دور ذلك في تقدم الحضارة الإسلامية أو ارتكاسها... إضافة إلى ذلك، ينبغي أن تنفتح مادة التربية الإسلامية على مختلف الثقافات الإسلامية، وذلك ليطلع التلاميذ على اختلاف ممارساتها الدينية وتعددها، فلا ينغلق أفقهم على ما ألفوه في محيطهم، وليتمكنوا أيضا من التعرف على الثقافات الإسلامية المختلفة...
ترسخ النرجسية الدينية العزلة الحضارية وعداء الآخر، كما أنها تقدم الإسلام بكونه وصيا على كافة البشر ومكلفا بتحريرهم من الشرك والضلال، وما إلى ذلك. وينجم عن هذه النرجسية ما سماه أحد الباحثين بـ "ثقافة الضغينة" تجاه الآخر التي تجعلنا نستأصل الحلم بالديمقراطية من أعماقنا بدعوى أنها غربية.
وإذا كان الدين مُكَوِّنا أساسيا من مكونات الثقافات، ومتأثرا بانفتاحها وانغلاقها، وبتعصبها أو تسامحها، ومؤثرا في رؤيتها للحياة وللإنسان ومغيرا لها، فالإنسان عندما يتفاعل مع هذه الثقافات المتعددة، ولا تقتصر رؤيته على ثقافته وحدها، فأفقه ينفتحُ ويصير متسامحا مع الآخر. كما أنه يدرك أن ثقافته تتفق مع عشرات الثقافات في روح الدين وتختلف معها في شكل ممارسته. يقول الله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (المائدة: 69). ويقول سبحانه :"يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" (الحجرات: 13). تقر هاتان الآيتان بتعدد الأجناس، وبوجود أديان أخرى... وإذا تعلم الأطفال هذه المفاهيم، قبلوا الحوار والتعايش مع المُختَلِفِ...