الاثنين 15 يوليو 2019
في الصميم

الخونة الجدد

الخونة الجدد عبد الرحيم أريري
إذا عدنا إلى الفصل 181 وما يليه من القانون الجنائي المغربي، نجد بأن الخائن للوطن هو كل شخص ارتكب إحدى الجنايات التالية:

- حمل السلاح ضد المغرب

- مباشرة اتصالات مع سلطة أجنبية لحملها على ارتكاب عدوان ضد المغرب

- تسليم أسرار الدفاع الوطني لسلطة أجنبية

- إتلاف معدات الدفاع الوطني

- تحريض العسكريين للانضمام لخدمة سلطة أجنبية

- المساهمة في إضعاف معنويات الجيش

- التجسس على المغرب لفائدة قوى أجنبية

لكن المشرع الجنائي، وهو يرسم بروفيل الخائن، تناسى (عمدا أو سهوا) إضافة جريمة المس بالاستقرار الاجتماعي بالمغرب، وتغافل عن جريمة المس بتماسك المجتمع المغربي، وتجاهل جريمة إرهاق المغاربة بتحمل الكلفة الأمنية الباهظة بسبب السياسات العمومية الكارثية سواء سياسة الحكومة أو سياسة الجماعات الترابية.

فالخائن ليس هو من تخابر مع عدو فقط، بل يجب تمطيط مفهوم الخيانة ليشمل الوزير الفاشل في تنفيذ التزاماته وعطل إخراج المشاريع لحيز الوجود وأن تشمل الخيانة أيضا البرلماني الذي لا يمارس دوره الرقابي الفعال، ويطال مفهوم الخيانة كذلك المدير العام الذي عطل تنمية المرفق الموكول له تدبيره، وينسحب على الوالي الذي فخخ تراب ولايته بالقنابل الاجتماعية الموقوتة، ولا يستثني العمدة الذي تسبب في تكلس شرايين المدينة التي يشرف على تدبيرها.

لنقم بجرد لحصيلة السياسيين (في الحكومة والبرلمان والجماعات) منذ اعتماد دستور 2011 إلى الآن. ماذا نجد؟

سنصدم بنخبة تتمرغ في ريع فاحش قارب 8 ملايير درهم (بمعدل مليار درهم سنويا) يلهفها الوزراء والبرلمانيون والمنتخبون المحليون يتم اقتطاعها من ضرائب المواطنين كتعويضات شهرية عن مهامهم الانتدابية، وبدل أن ينتجوا الثروة ويرفعوا الناتج الداخلي الخام للمغرب ويحسنوا مستوى عيش المغاربة في التعليم والصحة والنقل إلخ.. ويساهموا في إضفاء البهاء على مدننا وقرانا، نجدهم (بفشلهم وتقاعسهم وتخاذلهم وعدم كفاءتهم)، يغرقون المغرب في الأزمة ويقودون المغاربة إلى الوحل.

فبسبب هؤلاء الساقطين من السياسيين الفاشلين تحول المغرب إلى ماكينة كبيرة للاكتئاب والاحتقان، بدليل العدد الهائل من المظاهرات الاحتجاجية التي ما فتئت تتصاعد كل سنة. فبعد أن كان المغرب يسجل بالكاد حدوث 8000 تظاهرة احتجاجية في السنة إلى حدود عام 2011، سجل المنحنى تصاعدا رهيبا بعد 2012، حيث تم تسجيل 13 ألف مظاهرة عام 2013، ليرتفع العدد تدريجيا إلى أن وصلنا مؤخرا إلى تسجيل 18250 مظاهرة احتجاجية في السنة.

وحين نقول احتجاج الشارع، فمعنى ذلك يأس وعدم استقرار اجتماعي، ثم، وهذا هو الأخطر، ارتفاع الكلفة الأمنية. بحكم أن أي احتجاج يتطلب تسخير مختلف أفراد قوات الأمن مع ما يستتبع ذاك من إنهاك لميزانية الدولة المنهوكة أصلا.

وإذا عدنا إلى كلفة أزمة احتجاج الحسيمة الذي دام حوالي 8 أشهر، نجد أن الكلفة التي تكبدها المغاربة في هذا الاحتجاج الواحد فقط، بلغت 2.4 مليار درهم (240 مليار سنتيم)، علما أن مواطني الحسيمة احتجوا فقط على تعطل إخراج مشاريع منارة المتوسط للوجود، التي (أي المشاريع) بلغ غلافها المالي 6.5 مليار درهم. أي أن المغاربة أهدوا ثلث غلاف مشاريع الحسيمة في تمويل كلفة الاحتجاج (تحديدا 36 في المائة)، وهذا ما ينبغي أن يضع له حد. لأن المغاربة سئموا أن يبقوا هم «ذاك الحائط القصير»، الذي يقفز عليه أي سياسي فاشل أو وزير جاهل أو برلماني انتهازي. ولن يتحقق ذلك إلا بتشحيم المقصلة في الساحات العمومية بالمدن الكبرى استعدادا لتطبيق العقوبة في حق هؤلاء الخونة الجدد، أكانوا في الحكومة أو في البرلمان أو في الولاية أو في المجالس المنتخبة. لأن هؤلاء «الخونة الجدد» ساهموا بعدم كفاءتهم، في دفع الآلاف من المغاربة إلى الاحتجاج وبالتالي إلى المزيد من إنهاك المال العام.

فباستحضار مثال احتجاجات الحسيمة التي كلفتنا أمنيا 2.4 مليار درهم، نجد أن الاحتجاج الواحد في ذاك الحراك كلفنا 10 ملايين درهم تقريبا في اليوم (تعويض ساعات إضافية للقوات الأمنية، سيارات، محروقات، تغذية إلخ..)

وإذا أسقطنا هذا الرقم على معدل الاحتجاجات بالمغرب البالغة 50 مظاهرة في اليوم تقريبا، نجد أن الكلفة الأمنية تصل إلى حوالي 50 مليون درهم يوميا، أي ما يمثل 18.250.000.000.000 في السنة (18 ألف مليار و250 مليون سنتيم)، وهو ما يعادل بناء ستة موانئ ضخمة من حجم ميناء طنجة كل عام بالمغرب، أو ما يعادل بناء 100 مستشفى جامعي كل عام بالمغرب، أو ما يعادل بناء 14 ألف كيلومتر من الأوطوروت كل عام بالمغرب.

فلنختصر الطريق ولنتشري رصاصة أو مقصلة واحدة.

فما الفرق بين خائن يبيع بلده لجهة أجنبية، ومسؤول يبيع «العافية» للمغرب وللمغاربة كل عام.