الأحد 21 إبريل 2019
كتاب الرأي

جمال المحافظ: الحماية الاجتماعية والديمقراطية وجهان لعملة واحدة

جمال المحافظ: الحماية الاجتماعية والديمقراطية وجهان لعملة واحدة د. جمال المحافظ
يشهد المغرب في الآونة الاخيرة، تكثيفا للخطاب حول اشكاليات الحماية الاجتماعية، على  المستويات الرسمية الحكومية، والبرلمانية والاكاديمية والمجتمع المدني، وبوسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، إذ يلاحظ في هذا الصدد تسابقا محموما في التعاطي مع هذا الشأن الاجتماعي الذى يعد أحد الحقوق الأساسية التي تتضمنها مواثيق حقوق الانسان.
وإذا كان من الايجابي الاهتمام بموضوع الحماية الاجتماعية، والتعريف بها والتحسيس بأهميتها  باعتبارها تشكل أولوية في السياسات العمومية، ليس فقط على المستوى الوطني ولكن أيضا على المستوى الدولي، فإن  هذا الخطاب حول الحماية الاجتماعية، يصطدم بمفارقة غريبة، تتمثل في ارتفاع مستويات الهشاشة والفقر في المدن والبوادي، والتي يزيد من تفاقم صورها ويعمق فداحتها، ما تعميمه وسائل الاعلام وتنشره وسائط التواصلالاجتماعي على نطاق واسع.
فمنذ بداية الاستقلال، بادرت الحركة الوطنية من خلال أذرعها الجمعوية من منظمات الخدمات الاجتماعية من قبيل محاربة الأمية وبرامج والأوراش التطوعية والتوعية والرعاية الصحية وتربية الشباب والطفولة، الى المطالبة بإيلاء الاهتمام بالمجال الاجتماعي، إذ عوض الانكباب على ذلك،تفاقمت الوضعية الاقتصادية والاجتماعية بشكل أكبر، في الثمانينات من القرن الماضي، وذلك  جراء السياسات المتبعة، خاصة بعد اعتماد سياسة وبرامج التقويم الهيكلي، تنفيذا لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية والتي كانت نتائجها كارثية خاصة على الطبقات الشعبية. والاقتصاد الوطني ، وكادت أن تعصف باستقراروأمن البلاد، وهددت السلم الاجتماعي.
فنتائج هذه المخططات التي همشت القطاعات الاجتماعية الاساسية، كادت  أيضا أن تؤدى في بداية التسعينات من القرن الماضي، الى  ما أسماها الراحل الحسن الثاني " السكتة القلبية "،والتي عجلت سنة 1998 ، باستدعاء المعارضة للمشاركة في الحكومة المنبثقة عن " التناوب التوافقي".
ليس الغرض هنا، التذكير أواسترجاع مجريات هذه المرحلة من التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد، ولكن التركيز على تداعيات  المرحلة الراهنة،إذ أن كافة القوى الحية والفاعلين بمستوياتهم ومواقعهم المختلفة، يرسمون صورة قاتمة على واقع منظومة الحماية الاجتماعية، رغم المجهودات المبذولة هنا أو هناك.
فمختلف المعطيات الرسمية المحلية والتقارير الدولية،تسجل في هذا الصدد ضعف وهشاشة الوضعية الاجتماعية، فضلا  عن الاختلالات البنيوية لأنظمة الحماية الاجتماعية وضعف الحكامة ، وهو ما يضفي على هذا الورش طابع الاستعجال والأولوية، فنحو 60 في المائة من السكان النشيطين يوجدون دون حماية اجتماعية.
وتتسم منظومة الحماية الاجتماعية، بمجموعة من السلبيات منهاالهشاشة والطابع الجزئي والمحدودة، وعدم الإنصاف، فأيضا هناك نحو 60 بالمئة من الساكنة النشيطة غير مشمولة بنظام لمنح معاشات التقاعد، و 800 ألف أجير في القطاع الخاص غير مصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، و50 في المائة يشتغلون في القطاع الفلاحي وغيره من الأنشطة غير المستقرة،وأن 46 بالمائة لا يستفيدون من التغطية الصحية، فضلا عن أن الغالبية الساحقة للنشطين لا تستفيد من التأمين الاجتماعي الخاص بحوادث الشغل والأمراض المهنية، وهي الاحصائيات والمعطيات التي كشف عنها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في تقريره الأخير حول حصيلة الحماية الاجتماعية في وسبل تعزيز أنظمة الضمان والمساعدة الاجتماعية.
كما أن هناك  انعدام لنظام الحماية الاجتماعية الخاص بالأطفال والأشخاص في وضعية بطالة والأشخاص ذوي الإعاقة، علاوة على أن الأنظمة الإجبارية للضمان الاجتماعي تتسم بطابعها المحدود وغير المتكافئ، وأن أنظمة التقاعد تغطي حاليا حوالي 40 في المائة من السكان النشيطين المشتغلين، فيما يغطي نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض النسبة نفسها تقريبا، حيث يبلغ عدد الأشخاص المشمولين به حوالي 5,8 ملايين شخص. 
وبهدف التقليص من هشاشة الحماية الاجتماعية، يطالب عدد الفاعلون،بملائمة السياسات العمومية المتعلقة بهذه الحماية مع المعايير الدولية، منها ضرورة شمولية الحماية الاجتماعية وتوسيع نطاقها، وملائمة الإعانات، وعدم التمييز والمساواة بين الجنسين، ودمج الأشخاص العاملين في الاقتصاد غير المهيكل، والإنجاز المتدرج، والابتكار في آليات التمويل. 
وفى ظل هكذا وضع، وفي انتظارترجمة ما تعهدت به الحكومةبإصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، عبر بلورة منظومة أكثر فعالية مندمجة ومنسجمة وتتسم بالنجاعة والفعالية،على عكس توقعات وزير الشغل والادماج المهني من أن هناك " خطرا عظيما" يتهدد صناديق الحماية الاجتماعية بالمغرب، في الوقت الذى تتطلب مهامه الحكومية، أن يقدم الحلول لتفادي هذا "الخطر الداهم" وبذل الجهود لإقناع  المركزيات النقابية بالجلوس الى طاولة الحوار الاجتماعي، وحماية المكتسبات الاجتماعية عوض تصفيتها وصيانة نظام التعاضد وضمان حكامته عوض الاجهاز عليه.
فالجميع إذن مطالب بتحمل مسؤولياته، بالانكباب وباستعجال، على تنفيذ مخططات اجتماعية بإشراك كافة الاطراف، بدون اقصاء وتهميش، وفق مقاربة أفقية، لا نجاح هذا الورش الوطني حول الحماية الاجتماعية، بتفادي الاستغلال السياسوي للعمل الاجتماعي، من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية واعمال الديمقراطية، باعتبار أن الحماية الاجتماعية والديمقراطية يعدان في الحقيقة وجهان لعملة واحدة.
وكانجلالة الملك محمد السادس، قد أكد في خطاب العرش الاخير ، أنه "ليس من المنطق أن نجد أكثر من مائة برنامج للدعم والحماية الاجتماعية من مختلف الأحجام..مشتتة بين العديد من القطاعات الوزارية، والمتدخلين العموميين" فضلا على ذلك، فإن هذه البرامج " تعاني من التداخل، ومن ضعف التناسق فيما بينها، وعدم قدرتها على استهداف الفئات التي تستحقها.فحجم الخصاص الاجتماعي، وسبل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية"،يوضح الملك محمد السادس الذىدعا بالخصوص الى إعادة هيكلة شاملة وعميقة، للبرامج والسياسات الوطنية، في مجال الدعم والحماية الاجتماعية.
وتجدر الاشارة الى الحكومة المغربية، تعهدت في قانون المالية 2019، بإعطاء الأولوية، للسياسات الاجتماعية، في التعليم والصحة والتشغيل وبرامج الحماية الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية للمواطنين.وفي نونبر الماضي نظمت، المناظرة الوطنية الأولى للحماية الاجتماعية.
                                                                            د.جمال المحافظ: كاتب صحفي