الأحد 19 يناير 2020
مجتمع

لما صار المغاربة يتمتمون بحظ "الله يعطينا سعد المتشردين الأوروبيين"

لما صار المغاربة يتمتمون بحظ "الله يعطينا سعد المتشردين الأوروبيين" وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت يتوسط البريطانية هاردين دجين فيكتوريا وتيريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا
لا أحد اليوم مخول له الإقرار بغير حقيقة مدى طيبوبة ورهافة حس مسؤولينا الإنساني، والاعتراف لهم بالتربع على عرش أنبل قيم التعامل، بل وتمسكهم بأدق خيوط السند لمن خانته ترتيبات القدر. أما حجة أحقية هذا الحكم وعدالته، فتجد منطوقها في القاعدة المؤكدة لعدم رجاحة وصف شخص بالطيب إلا إذا كان قادرا على أن يصير قاسيا.
وبسخاء سابق التجارب الحبلى بما لا يعد من سيناريوهات الإجحاف، جاءت تباشير "العطفة" من هؤلاء المشمولين بالسهر على خدمة المواطن، إلى أن أقاموا الدنيا ولم يقعدوها لأجل البحث عن متشردة اختارت إحدى البنايات المهجورة مسكنا بمدينة طانطان. وليس هذا فحسب، وإنما لم يمهلهم الاقتناع بسمو مكانة "اللي عمل الخير وكملو" في أن يحجزوا لها غرفة بفندق على نفقة شعب بأكمله، وتتبع كل صغيرة قبل الكبيرة من تفاصيل أحوالها على أمل عدم المغادرة إلا وهي في نعمة شاملة.
وفعلا، غادرت الشابة المتشردة الفندق في كامل رضاها والابتسامة تسبق كلماتها، ولو أنها تركت وراءها تحولا مفصليا في أماني الكثير من المحصنين باستقرار البيوت في هذا الوطن، ليقفز إلى قمة رجائهم التحول إلى متشردين برتبة تلك الشابة، ليس حبا في التيهان بين الطرق، ولكن لمجرد الشعور بأن هناك ثغرة ود مسؤول يتسللون عبرها إلى الركن المستيقظ من ضمائر متخذي القرار.
وبقدر ما كان هذا التمني مشروعا لعدم وجود حدود للأحلام، اصطدم بـ "فيتو" صارم، ينص على شرط ألا تكون مغربيا أو مغربية، لأنه وبكل بساطة كل ما سبق ذكره يخص مراهقة من دولة بريطانيا العظمى تدعى هاردين دجين فيكتوريا، وليست طامو أو الفطواكية أو يزة المحسوبات على "كحل الراس".
هي حقا أسماء رائعة، ولا ذنب في دلالاتها غير التلميح إلى محلية صاحباتها وأولويتهن بأدنى مبادرات الإحاطة الاجتماعية، بدل لي سكين الإهانة المغروس أصلا في ظهورهن، خاصة أمام استحالة وجود أرض أخرى يرضى أهاليها باحتوائهن بعد أن ضاقوا ذرعا بسليمي الأحوال والإمكانيات.
ولمن صعب عليه الاطلاع عن قرب ما يواجهه أولئك المغتربون من حصار نفسي، أخف أسلحته "الشوفة الناقصة"، فليلقي نظرة، الآن وهنا، على ثقل الصدمات التي يتلقاها طالبوا التأشيرة لمجرد زيارة مؤقتة إلى بلد أوروبي مع يتوفرون عليه من ضمانات مالية وعمل قار ومستوى تعليمي محترم. الأمر الذي يلتمس من خلاله العذر لذلك المهاجر الذي وفي اليوم التالي لزواجه من إيطالية، أجابها حين أيقظته للبحث عن فرصة عمل: "خليني ناعس.. را هاد المغاربة ما خلاو لينا فين نخدمو..".