الاثنين 25 مارس 2019
كتاب الرأي

زهور: حرب "البيجيدي" ضد الفرنسية هو بالأساس معاداة لفكرها التنويري

زهور: حرب "البيجيدي" ضد الفرنسية هو بالأساس معاداة لفكرها التنويري ذ. الحسن زهور، كاتب وباحث

معارضة حزب العدالة والتنمية تدريس المواد العلمية بالفرنسية وقبوله اعتماد لغة أجنبية أخرى هي الإنجليزية لتدريس بعض المواد، يثير عدة تساؤلات من مثل:

- ما علاقة المرجعية الإيديولوجية الإخوانية للحزب بمعارضة الفرنسية؟

- ما علاقة تكريس الطبقية في التعليم بالقيم الدينية ذات الحمولة الإيديولوجية الحزبية؟

لكي لا يوهمنا الإسلاميون بالمغرب و منهم حزب العدالة و التنمية بالدفاع عن التعليم و باختيارهم للغة الإنجليزية (و ليس الفرنسية) كلغة عالمية هي الأنجح للانفتاح على العلوم، نقول لهم لسنا يا سادة بسطاء إلى هذا الحد الذي ينطلي فيه علينا هذا الايهام. فما يحاربه الإسلاميون في الفرنسية ليس التاريخ الإستعماري لأصحاب هذه اللغة (كما يوهموننا بذلك) لكن ما يحاربه هؤلاء هو الفكر التنويري الذي تحمله هذه اللغة المرتبطة بفلسفة الأنوار و بحقوق الانسان و بمبادئ الثورة الفرنسية التي حررت الانسان المعاصر من القيود الدينية و حطمت حكم الكنيسة و فصلت الدين عن الدولة وأعطت للإنسانية نموذجا مدنيا راقيا في الحكم للمجتمعات المدنية المعاصرة التي نجحت نماذجها الحية في المجتمعات الاوروبية اليوم. فهذا ما يخشاه الاسلاميون من اعتماد الفرنسية كلغة تعليم ثانية في المغرب، لذلك يكنون لها العداء الشديد لأنها تقف أمام مشروعهم الايديولوجي الذي استطاع الإخوان المسلمون إنجاحه في مصر ساعدهم في ذلك غياب الفرنسية بمصر وهيمنة الإنجليزية التي لا تحمل هذا الفكر التنويري الذي تحمله الفرنسية. إذا فمعاداة الفرنسية و تشجيع الإنجليزية من طرف الإسلاميين ليس مرده الدفاع عن الأنسب و الانجح للبلد بله محاربة الفكر التنويري الذي تحمله، أما الإنجليزية فرغم كونها اللغة العالمية الأولى فيمكن تشبيهها بصحن يمكن أن نملأه بأية أكلة ابتداء من أرخصها إلى أرقاها عالميا، و لنا نموذج في الدول الذي تتبنى الإنجليزية كدول الخلي.

أما الدفاع عن الطبقة الشعبية كما يدعي حزب العدالة التنمية في برامجه كدفاعه الايديولوجي عن تعريب التعليم هو نقطة اخرى تنطبق عليها قولة علي بن أبي طالب "حق أريد به باطل". التعليم في المغرب يكرس طبقية اجتماعية و يزيد من الفوارق الاجتماعية بدرجة اعلى مما كان عليه قبل تعريب التعليم. التعليم في المغرب نوعان: تعليم عمومي لأبناء الشعب و تعليم خصوصي لأبناء الأغنياء و البورجوازيين و أبناء الطبقة الوسطى. الأول يهيمن عليه التعريب في مراحله الأولى و المتوسطة لينتقل إلى الفرنسية في معاهده العليا. و الثاني يعتمد على الفرنسية لذلك نجد أن أغلب أبناء الطبقة الغنية و البورجوازية و من تبعهم من أبناء الطبقة الوسطى يكملون دراستهم في المعاهد و الكليات ذات الجودة في الوطن و في خارجه و بالفرنسية بينما يصيب الإخفاق أغلب أبناء الطبقة الشعبية، و هذا إجحاف في حق هؤلاء الذين يمثلون الأكثرية الساحقة من الشعب. فإذا كان الاسلاميون يدافعون حقا عن التعريب فبماذا نفسر ادخال الزعيم الراحل لجماعة العدل و الإحسان ابنته نادية الى البعثة الفرنسية بالبيضاء ثم مراكش، ثم بماذا نفسر تهافت زعماء العدالة و التنمية لتسجيل أبنائهم في الكليات و المعاهد الفرنسية و التركية بدلا من قطر و السعودية و مصر؟

أليس هذا تبليدا للعقول و ترسيخا لتراتبية الشيخ و المريد أي تراتبية "الخاصة و العامة" التي تعيدنا إلى القرون الوسطى؟

لغة التعليم التي يتخذها البعض مطية للمساومات لنزع بعض المكاسب السياسية يجب إخراجها من اللعبة السياسية للأحزاب، كما يجب إبعادها عن الأهواء الايديولوجية التي خربت البلدان التي كانت تتبناها.

موقف الاتحاد الاشتراكي مثلا في تبنيه الفرنسية لتدريس العلوم كان منسجما مع مبادئه الفكرية التي تدعو إلى التنوير، لكن ان يصطف حزب الأصالة و المعاصرة في صف العدالة و التنمية في تبني "لغة اخرى" و مفهومها هنا هو الإنجليزية فهذا يعتبر خيانة لمبادئه التي يدعي بتنويريتها، و إلا اعتبر موقف هذا الحزب انتهازية سياسية غايتها انتزاع مكاسب سياسية لا نعرفها أو ديماغوجية لاختبارات بالونية.

فلغة التعليم في المغرب لا يجب أن تتحكم فيها فئة أو طبقة لفرض أهوائها و ايديولوجيتها، بل يجب الإعتماد على مرتكزات الأمة المغربية بما أقره الدستور باعتماد اللغتين العربية و الأمازيغية كلغتي الهوية الوطنية، ثم اللغة الفرنسية كلغة العلوم بحكم ارتباط الفرنسية بالفكر التنويري الذي يستطيع مساعدة الحركة التنويرية في المغرب من انتشال مجتمعنا المغربي من الفكر الإنغلاقي المتطرف الذي استشرى مؤخرا في ساحتنا. فالتاريخ يخبرنا أن أغلب رواد النهضة العربية بالشرق في لبنان و سوريا ثم في مصر هم فرنسيو الثقافة و الفكر كطه حسين و محمد عبده و الأفغاني، و جورجي زيدان و البستاني، ... و في المغرب انتشر الفكر التنويري و العقلاني في الستينات و السبعينات من القرن الماضي قبل تعريب التعليم و هيمنة الفكر الوهابي و الإخواني و التطرف الديني، و كذلك الأمر في تونس و الجزائر.