الثلاثاء 23 إبريل 2019
منبر أنفاس

عبدالالاه بلوادي: احذروا الوباء الأزرق

عبدالالاه بلوادي: احذروا الوباء الأزرق عبدالالاه بلوادي
أمام التطورالسريع الذي تشهده تكنولوجيا الاعلام و التواصل، رافقه تراجع دور باقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وأصبحت هذه التكنولوجيا تلعب دور المربي و الموجه لعملية تنشئة الأطفال، هذا أدى إلى صعوبة التحكم في مصداقية القيم التي جاءت بها و التي قد تساهم في القضاء على الاعراف الأسرية المتوارثة الهوية المحلية للمجتمع. 
لقد تغيرت العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة وأصبح كل واحد منها منشغل بوسيلة تكنولوجية خاصة به (حاسوب، هاتف، لوحة إلكترونية، تلفاز...)، فالوقت لم يعد مكرسا للعائلة و لم يعد أحد متفرغا للآخر و أصبح كل فرد من الأسرة منشغلا بعالمه الافتراضي. 
وساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في خلخلة العديد من القيم الانسانية الكونية، وأصبحت أداة استعمار و استلاب، وأمام تراجع سلطة الأبوين و تفكك الأسر و فشل النظام التعليمي، طغت القيم السيئة المستوردة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي نتج عنها كائنا بشريا مستهلكا و مستلبا، هو ضحية برامج جمدت عقله و فكره لتجعله في النهاية إنسانا فارغا و غير مستقل في تفكيره و تصوراته و قابل للخضوع و التوجيه و فق ما تقتضيه العولمة. 
فالامبريالية المتوحشة تسعى جاهدة الى القضاء على الهويات المحلية و فرض الاذواق وفق ما تستوجبه مصالحها على الشعوب المستضعفة مستهدفة بذلك خلق نمط ثقافي و اجتماعي و اقتصادي و سياسي... موجه يخدم مشروعها في الهيمنة على العالم. 
وحل العالم الافتراضي على الأسرة بالقدر الذي غابت فيه اللقاءات الأسرية التي كانت إلى وقت ما يجتمع أفرادها حول شخصية معينة من الأسرة أو حول موضوع للنقاش داخل سقف واحد، وغابت قيمة الاجتماع و الاستماع على مائدة الأكل أو للسهر و المرح و غابت الزيارات في المناسبات و غيرها، ولم يعد اللعب مع أبناء الجيران و زملاء المدرسة و الحي بل مع لاعبين افتراضيين، وبالتالي أصبح الوالدين لا يعرفان أصدقاء أبنائهم و لا أخلاقهم و مدى مناسبتهم للتعامل مع أبنائهم ولا مضمون الحديث الذي يدور بين الأبناء و هؤلاء الغرباء الذين قد يفوقونهم سنا و قد يجرونهم إلى عالم الجريمة و الإدمان و المخدرات و التطرف... وربما قد يكسب الطفل صداقات متنوعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي و لكن في بعض الأحيان قد تشكل تلك العلاقات الافتراضية خطرا على الطفل و  المراهق. 
فبالأمس كانت هناك مجموعة من الممارسات السلوكية العائلية ذات قيمة، وشكل الوسط العائلي فضاء لتعزيز السلوكيات التي تتناسب مع قيم المجتمع و استهجان تلك التي تتعارض مع قيمه و أعرافه و تقاليده و هويته، غير أن اقتحام التكنولوجيا لحياة الأسرة جعل الكثير من القيم تتغير وتختفي.
فرضت مواقع التواصل الاجتماعي نفسها على كل أسرة، حتى كادت تصير بديلا عن العالم الحقيقي و سيطرت على البعض إلى درجة الإدمان و أصبحت تمثل مرضا انتشر بين أفراد الأسرة، وتحول الفايسبوك إلى ما يشبه وباء أزرق ينخر العلاقات الانسانية التي تقوم عليها الأسرة و  بالتالي ساهم في كبح أهم وظيفة أساسية للأسرة و هي التنشئة  الاجتماعية.
والأسرة هي نواة المجتمع، والتي تنشأ برابطة إنسانية زوجية بين رجل و إمرأة ليتفرغ عنها أبناء، فهي المؤسسة الأولى التي يتلقى فيها الطفل القيم و المعايير الأخلاقية و هي القالب التي تتشكل داخله شخصية الطفل منذ ولادته تشكيلا فرديا و اجتماعيا.
وهي المكان الأنسب التي تطرح فيه أفكار الآباء و الكبار ليتعلمها الصغار، ولها وظيفة التنشئة الاجتماعية للطفل الذي يتعلم منها العديد من العمليات الخاصة بحياته اليومية كالأكل و الشرب واللباس و النوم و النظافة و الاحترام و التسامح و التعامل و الاخلاق... وهي أول جماعة يعيش فيها الطفل و يشعر بالانتماء إليها و يحس بدفئها، ومنها يتعلم كيف يتعامل مع الآخرين في سعيه لإشباع حاجاته.
والأسرة لا تقتصر وظيفتها في الانجاب لإستمرارية الكائن البشري فقط، وإنما يتعدى دورها ذلك إلى إدماج الطفل في الجماعة و المجتمع وغرس القيم و العادات في الأبناء وفق المعايير الاجتماعية التي يقبلها المجتمع انطلاقا من خصوصيته وعاداته و هويته وأهدافه الاستراتيجية و المستقبلية.
وهذا لا يمنع من توظيف ما تتيحه تكنولوجيا الاعلام و التواصل في التنشئة و التربية واللعب و الترفيه و التعليم و التواصل و التثقيف والانتاج و التسويق ... ولكن وفق شروط و ضوابط محددة تحترم الهوية و الثقافة المحلية و تنمي المجتمع.