الاثنين 19 أغسطس 2019
مجتمع

عبد الوهاب تدمري: في صعوبات الانتقال إلى الديمقراطية(7)

عبد الوهاب تدمري: في صعوبات الانتقال إلى الديمقراطية(7) د. عبد الوهاب تدمري
تنهي جريدة "أنفاس بريس" نشر حلقات من مقال تأملي للباحث د. عبد الوهاب تدمري بعنوان: "في صعوبات الانتقال إلى الديمقراطية"، وهو قراءة مستفيضة ناقش فيها كاتب المقال وجهة نظره وأفكاره وتحليله الشخصي للواقع السياسي وما يرشح به من تناقضات واشتباكات وتعقيدات.
3 /اليسار وصعوبات التغيير الديمقراطي:
أمام ما سردناه من تحليل لمجمل التحولات التي تشهدها الدولة المخزنية برجوعها إلى طبيعتها الأصولية والمجتمع الذي أصبح يعيش حالة احتقان خطيرة نتيجة ما يعيشه أزمة شاملة تدفع به إلى البحث عن ملاذات أخرى حتى وإن كانت روحية ودينية، وذلك في غياب مشاريع مجتمعية بديلة. وبالتالي أصبح يغلب عليهما طابع الأخونة والدعشنة خاصة مع ما يشهده التوجه الديمقراطي الحداثي سواء من داخل الدولة أو المجتمع من ضعف وتراجع لم يسبق له مثيل في تاريخنا السياسي المعاصر. أمام كل هذا وذاك سيكون من السهل على حركات الإسلام السياسي أن تتمكن أكثر وأكثر من مفاصل المجتمع الذي ستعمل عبر قنواتها التنظيمية النشيطة على ضبطه وتأطيره وفق استراتيجيتها السياسية والمذهبية التي تتقن عبرها المزاوجة بين السلطة والمعارضة. وهو ما يجعلها تتصدر المشهد السياسي في المراحل القادمة.
إن هذا المشروع إن هو نجح في استراتيجيته ستكون مواجهته مع كل تداعياته الخطيرة السياسية والمجتمعية التي ستسمح ببروز هويات مغلقة وارتدادية تهدد وحدة النسيج المتعدد الذي شكل على مدار التاريخ خصوصية مجتمعنا المغربي، صعبة ومركبة، تقتضي منا مجهودا مضاعفا يشكل فيه النضال من أجل الديمقراطية إضافة إلى النضال علي الواجهتين الثقافية والاجتماعية أحد مداخلها الأساسية. وإذا كان مطلب الانتقال إلى الديمقراطية أقرب إلينا في المرحلة السابقة، نظرا لما كانت تتسم به هذه المرحلة والأرضية الثقافية التي كانت تأطرها من عناصر وقيم حداثية، وذلك رغم الاستبداد السياسي المرتبط عضويا بالشكل المخزني للدولة وما يكثفه من تقاليد حكم رجعية ومحافظة والتي كانت تقف حاجزا في وجه كل محاولات التحديث الموروثة عن الحقبة الاستعمارية القائمة على مفهوم الدولة الوطنية القومية ورغم كل الصعوبات التي حالت دون تحقيقه والذي تتحمل فيه المسؤولية المباشرة المؤسسة الملكية والحركة الوطنية المتنفذة وما صنعته هذه المؤسسة من مشهد حزبي متحكم فيه في إطار ثنائية المعارضة أحيانا والموالاة أحيانا أخرى، بالشكل الذي يحيل على نظام حكم سياسي شمولي رغم تعدد أحزابه ظاهريا، إضافة إلى رعايتها لحركات الإسلام السياسي تماشيا مع أجندات دولية، خاصة الأمريكية منها وأخرى داخلية، مما وفر كل الظروف لانتشارها وانفلاتها مستفيدة في ذلك من ازدياد منسوب الشعور الديني علاقة، بما يعيشه مجتمعنا من أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة ألقت بفئات واسعة من الشعب المغربي الي حالة اليأس والهشاشة إضافة إلي ما يعيشه محيطنا الإقليمي من تصاعد للصراعات المذهبية والطائفية.
فإن هذا المطلب الآن قد ابتعد عنا كثيرا وفي سبيل تحقيقه ستكون الصعوبات والتحديات مضاعفة، لأن مواجهة خصومه سوف لن تقتصر على مواجهة الاستبداد السياسي فقط كما كان الشأن سابقا، بل سيتطلب مواجهة الاستبداد الفكري والثقافي والديني كذلك. لأن الأرضية الفكرية والثقافية ومجموع القيم التي تعمل هذه الحركات على تسيدها من داخل المجتمع أولا ومن داخل الدولة ثانيا، هي من سيؤطر العمل السياسي للمرحلة المقبلة، وهي في طبيعتها قائمة علي مناهضة ومعاداة كل قيم الحداثة والديمقراطية، ولكل مشروع سياسي مستقبلي يروم إلى دمقرطة وتحديث الدولة والمجتمع.
إن التعقيدات التي تتسم بها المرحلة وما تفرضه علينا من تحديات آنية ومستقبلية تفرض علينا أكثر من أي وقت مضى مراجعات نقدية شاملة وصريحة لمسار تجربتنا ولمجمل التصورات والآليات التي اشتغلنا بها كفاعلين يساريين ديمقراطيين من مختلف مواقعنا من أجل إحقاق عملية الانتقال الديمقراطي في بلادنا، والوقوف عند مناطق الخلل والفشل في تجربتنا والبحث في أسباب اخفاقاتنا الذاتية، حتى لا نريح أنفسنا بإلقاء اللوم فقط على ما كنا نسميه بالقوى الإصلاحية والدولة المخزنية، أو ما أسميته بالحركة الوطنية المتنفذة مع تنزيه ذواتنا وتنزيه الجسم اليساري المتهالك الذي ولد مشتتا تنظيميا وضعيفا فكريا رغم ما عرفه هذا الفكر من انتشار واسع في أواسط السبعينات من القرن الماضي، خاصة في الجامعات المغربية والأوساط العمالية. ولو أن حالة المد هاته التي كان يشهدها الفكر اليساري في المغرب لم تكن بمعزل عن ما كان يشهد ه محيطنا الإقليمي والدولي من مد تحرري، بالإضافة إلى الظروف الموضوعية على المستوى الوطني المتمثلة في الانتكاسة السياسية التي عرفها المشروع السياسي للقوى التي اسميناها إصلاحية والأزمة الهيكلية التي كان يمر بها النظام السياسي المغربي، ولا يزال التي كان من نتائجها المباشرة محاولتان انقلابيتان في أقل من سنتين. لكن، رغم كل الظروف المواتية، لم يكن اليسار الجديد المغربي في مستوى التقاط اللحظة التاريخية من أجل تغيير موازين القوى لصالح المشروع الديمقراطي الجذري، وذلك رغم كل التضحيات التي قدمها في صراعه السياسي بهدف إنجاز مهام "الثورة الوطنية الديمقراطية"، وهو الذي جعل من مهامه الأساسية، التي استنزفت الكثير من الجهد والطاقة، العمل على توحيد تنظيماته بعد أن اختزل أزمته في تشتته. وأعتقد أن الحل يكمن في تجميعه متناسيا في المقابل كون أزمته تكمن في بنيته الفكرية والايديولوجية المحافظة، التي لم تستفد من المراجعات والاجتهادات التي كانت تتم من داخل المنظومة الفكرية الماركسية واليسارية بصفة عامة وعدم استيعابه للخصوصيات السوسيو-ثقافية والتاريخية للمجتمع المغربي التي أغفلها في تصوراته السياسية وآلياته التنظيمية وبقي معزولا عن الواقع الذي سعي إلى تغييره، وقد تحكمه في ذلك إلى يومنا هذا ايضا نرجسية مفرطة للذات فأسقط بذلك منطق الرياضيات في عملية جمع الأعداد على علم السياسة، بعد أن تناسى أن الجمع بين مكونات سياسية مأزومة لا تعني بالضرورة القوة بل إعادة تركيب للأزمة وتوفير الشروط الموضوعية والذاتية لانقسامات أكثر حدة، وهو حال اليسار المغربي إلى حدود اللحظة.
إن هذه المقدمة ارتأيتها ضرورية في سياق البحث عن ماهية الإجابات الممكنة عن واقعنا السياسي الراهن الذي أصبح أكثر تعقيدا مما مضى بحيث أصبحت تتنازعه مرجعيتين محافظتين ومناهضتين للمشروع الديمقراطي الحداثي، الاولى تتمثل في الأصولية المخزنية والثانية في الأصولية الاخوانية الوهابية. .. انه الواقع الذي يقتضي منا الارتقاء بنقاشاتنا لتصبح عمومية ومنفتحة على ما تبقى من الفعاليات الديمقراطية والحداثية السياسية والفكرية والثقافية لتتشكل ضمن جبهة ديمقراطية عريضة .وأخص بالذكر تلك المستاءة من واقعنا السياسي الحالي والمستعدة للقيام بمراجعة عميقة لمسار تجاربها السياسية، ومدركة لحجم التحديات التي تنتظرنا كيساريين ديمقراطيين و حداثيين في ظل التنامي المضطرد للمشروع السياسي الأصولي، و عجز المنظومة السياسية التقليدية تاريخيا “بيمينها” ويسارها في تقديم الإجابات عن حاجات المجتمع المغربي في التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، ولا أعني قطعا تلك النخب التي استفادت ومازالت تستفيد من الوضع السياسي القائم وتعمل جاهدة على تكريسه .
في إطار المساهمة دائما في تحديد بعض المنطلقات التي أراها ضرورية لأن يستقيم بنا هذا النقاش، وحتى لا نحيد عن جوهر الإشكال الذي يتماها ومطلبنا الرئيسي في إحقاق الديمقراطية التي تتحمل المسؤولية التاريخية في إقبارها أحزاب الحركة الوطنية المتنفذة والقصر، وكذا مسؤوليتهما المباشرة وغير المباشرة عن واقع الأزمة الشاملة التي يشهدها المجتمع المغربي التي أدت بالضرورة إلى ما نحن عليه من تصاعد للمد الأصولي الإسلامي الذي تحاول من خلاله الدولة المخزنية وبعض أدواتها السياسية المستحدثة، بعد أن شاخت واستنفدت تلك المحسوبة على الحركة الوطنية دورها التاريخي، العمل على حث بعض النخب الديمقراطية والحداثية غير المتورطة في الريع الاقتصادي والسياسي، لأن تنخرط من مختلف مواقعها المدنية والسياسية في مشروع المواجهة التي يشكل فيها خطر المد الأصولي عنوانها العريض، وذلك من أجل الحفاظ علي توازناتها السياسية وإطالة عملية تحكمها في المشهد الحزبي الجديد بعد أن كاد ينفلت منها ودون أن تكون لديها النية الحقيقية في استئصال جذور هذا المشروع السياسي الدخيل من خلال استئصال منابعه وأسباب انتشاره، بل يتم توظيفه بالشكل الذي تجعل منه فزاعة للقوى الديمقراطية والحداثية التي عليها واجب الاختيار بين تحكم الدولة المخزنية وبين تحكم قوى الإسلام السياسي، متناسية كونها هي من رعت وساهمت في انتشار الأصولية الدينية المشرقية على حساب قوى الصف الديمقراطي اليساري، وذلك بعد أن تم قمعها وإضعافها بشكل ممنهج، وعلى حساب موروثنا الديني والحضاري بعد أن تم القضاء على القرويين في الستينات من القرن الماضي واستبدالها بالمدرسة الحسنية، وتفريخ المدارس القرآنية واستبدال المناهج الدراسية والمقررات التي تحفز الفكر النقدي بتلك التي تبجل النقل على حساب العقل، و بعد أن مكنتها من جل مؤسسات الحقل الديني وبكل ما يتيحه لها مبدأ إمارة المؤمنين.
إذن، لابد من التأكيد مرة أخرى على أن أي مشروع سياسي مستقبلي بديل يجب أن يكون همه الأساسي المسألة الديمقراطية التي هي ضحيتهم جميعا، وألا ننزع للاختيار بين أهون الشرين، وأما مقاومتنا الصريحة للفكر الأصولي بكل أشكاله وتمظهراته هي مسألة مبدئية في أي مشروع سياسي بديل يروم إلى دمقرطة الدولة والمجتمع، لكن ليس على حساب الديمقراطية، و حتى لا نتحول مرة أخرى كذلك إلى صمام أمان الدولة المخزنية في طبعتها اليعقوبية التي وجدت نفسها حبيسة الوضع الاقتصادي والسياسي الذي صنعته، ونعيد بذلك إنتاج تجربة الحركة الوطنية المتنفذة مع هاته الدولة في مراحل تاريخية سابقة اتسمت بتأزم و انسداد آفاق مشروعها السياسي التقليدي وعجزها في تجديد نخبها، وحتى لا نسقط كذلك في فخ التحليل القائم على مبدأ الاختيار بينهما، بما يدفعنا مرة أخرى إلى التخلي عن مطلبنا التاريخي الذي هو مطلب المجتمع المغربي في إحقاق الديمقراطية كشرط لأي تعاقدات سياسية ومجتمعية مستقبلية. وأن نضالنا هو ضد الأصولية سواء في شقها المخزني أو الديني.
إنتـــهى