الأحد 18 أغسطس 2019
مجتمع

العضراوي: جزولة ذات الإشراقات التاريخية تتطلع لزيارة ملكية

العضراوي: جزولة ذات الإشراقات التاريخية تتطلع لزيارة ملكية ضريح رجال جزولة الذي تم ترميمه من جديد تفيد بعض الحكايات انه أنه كان منزل الشيخ الجزولي رحمه الله وفي الإطار ميلود العضراوي
جزولة تقاطع جغرافي بالتاريخ والحكاية الشعبية والاغاريد الرعوية العميقة والتصوف الروحاني. ارض الأولياء الأطهار الذين ما تزال الرواية الشعبية تحكي عن كراماتهم وتصاريفهم الشيء الكثير. جزولة نسبة إلى الشيخ الجزولي رحمه الله صاحب دلائل الخيرات الذي سكن على الربوة الشمالية المطلة على الوادي الذي صار الآن بحيرة آسنة وغابات من شجر الأوكالبتوس، ما يزال أثر إقامته ماثلا حتى الآن، كان حوشا من الحجارة وبني ضريحا ليستقطب الناس في مهرجانات الصيف وتنشط سوق البيع والشراء والترفيه والأغاني الشعبية والتراث. وعلى الرغم من وجاهة الفكرة وصوابها لم تجد من يتعهدها ويرعاها بما يكفي لتستمر. كان الشيخ يتعبد هناك خفية جراء التضييق عليه من قبل احد الحكام هناك الذي مر عليهم التاريخ ورماهم في مزبلته لا نعرف عن اسمائهم شيئا، وبقي الشيخ وكتابه الشامخ تتداوله الألسن وتنعم ذكره المجالس. حين حتى غادر الشيخ المنطقة نحو سوس حيث بقي هناك الى أن وافته المنية، بكت عليه الأرض التي لن يطأها بعد والحجارة والأشجار والكائنات هناك التي لن تراه ابدا وما عرف بحقه البشر الا حين مرت السنون وصار أحد رجالات مراكش السبعة.
سبت جزولة نقطة استراتيجية وتاريخية هامة،حيث مر منها العديد من الزعماء والسلاطين والقادة التاريخيين الكبار. ففي بداية القرن العشرين وبالضبط سنة 1908مر منها جيش الشيخ ماء العينين الهيبة الذي "كان متوجها إلى مراكش لمحاربة المستعمر الفرنسي وإعلان الجهاد لتحرير البلاد" (الناصري) وأقام في جزولة التي كانت تفتقر إلى الماء العذب فأمر رجاله من قبيلة جزولة السوسية بحفر آبار سميت باسمهم حتى الآن (وثيقة شفوية مدونة) وهي آبار جزولة ذات الماء المتميز والتي غرقت كلها في بحيرة الواد الحار بسبب إهمال وتهاون المسؤولين، وأصبحت في خبر كان وهي جريمة سيشهد عليها التاريخ القريب أو البعيد على حد سواء.
كانت مياه آبار جزولة مضرب المثل في تلك الربوع ولا يعد الشاي الأخضر المنعنع في عبدة إلا بماء جزولة بفضل نكهته الخاصة. عندما دخلت فرنسا سنة 1912 قامت بحفر المزيد من الآبار في نفس الموقع في منحدر جزولة وحفرت في مناطق أخرى أيضا؛ منها "زارابة" و"زايات" و"هديل" واستخرجت المياه الجوفية التي استعملت في الشرب والتناول المنزلي.
اما بالنسبة للملوك والسلاطين العلويين، فقد كانت جزولة دائما محط اهتمامهم منذ السلطان مولاي الحسن الأول الذي زارها في طريقه نحو الجنوب المغربي وصحراء الساقية الحمراء وكانت المناسبة (الحركة) الثانية التي قام بها هذا السلطان العظيم سنة 1886، نزل بما سماه الناصري بقبائل عبده السفلى ويسميها الكانوني بقبيلة العامر، حيت استقبل من قبل العديد من شيوخ قبائل عبدة والقياد والأعيان والعلماء والوجهاء والفقهاء، الذين جددوا له البيعة والولاء. وفي صحيفة من تدوين أحد شيوخ قبيلة الشراشمة رحمهم الله[1] وجدت مكتوبا ما يلي:" السلطان المولى الحسن الأول أثناء مروره نحو صحراء الساقية الحمرا استقبل ساكنة منطقة عبده ووجهائها وكبار فلاحيها ومن بينهم كان العديد من وجهاء وزعماء وشيوخ القبائل والعلماء من منطقة العامر"(ويقصد بمنطقة العامر القبائل المحيطة ببطحاء جزولة وتسمى بعبدة الجنوبية) ويضيف المؤرخ " وسأل (يقصد السلطان مولاي لحسن الأول) عن أحوال الناس ومعيشتهم وعن الزرع والضرع، وتساءل السلطان كثيرا عن أسباب نقص في مادة الفول الذي أصيب تلك السنة بمرض أضعف محاصيله «انتهى كلامه.
في الجانب الفني ابدعت حنجرة المغردين من شيوخ عبدة وشيخاتها قصائد رائعة في حصباوية الماية العبدية التي نسجت قصيدة "سيدي حسن" الموجودة كركاب فني في انشودة "الحصبة" وهي من أروع الأناشيد في سمفونية "الحصبة والافة" وهي من انتاج عبدي صرف وانتشرت في ربوع العامر الجنوبية والشمالية اي مناطق العامر وقبائل البحاثرة الشمالية حيث توجد عاصمة المنطقة آسفي ومقر شيوخ العيطة وعنتها الشيخة عيدة مع العازف المرحوم سي محمد الدعباجي وتلقفتها شيخات ذوات حناجر من ذهب كالمرحومة فاطنة بنت الحسين والفنانة الكبير خديجة مركوم التي تتقن فن الحصبة وماياتها وموازينها المختلفة. انبرت قصائد الشعر الغنائي الدارجي بمضامينه الصوفية العميقة لتؤرخ للحدث ومنها القصيدة الرائعة تحت عنوان "سيدي حسن" تمجد وتمدح وتشيد بزيارة السلطان المولى الحسن الأول الذي كانت له محبة وتقدير كبيرين في قلوب الناس كسائر السلاطين العلويين. لقد انتشرت الأغنية سريعا وحفظها شيوخ العيطة بالمنطقة وكانت تردد بكثرة حتى أواخر مرحلتنا الطفولية كنا نسمع الرعاة والمرددين في الحقول يتنادون بها. وهي وصلة نابضة بالنغم من وصالات الحصباوي، لدا أوردتها مع بعض التركيز لأنها استشهاد تاريخي لمن قد يبدو له بعض التحمس في النص التاريخي الذي اوثق له. علما أنني شخصيا لم أكن ادرك أن اغنية ّسيدي حسن" كانت فرحا وطربا بمجيئ السلطان العلوي العظيم الى المنطقة حتى سألت عنها احد شيوخ العيطة بآسفي وهو المرحوم الخمار عازف آلة الوثر فقال لي "سيدي حسن" تم انشادها بمناسبة قدوم الملك مولاي الحسن الأول الى عبدة ونزوله بها "وتناول وثره الهجهوج ورددها على مسامعي. الشيخ الزرهوني جما الدين عميد عازف الآلة الوثرية بالمغرب يعرف ذلك جيدا وقد رددها مرارا في عنائه لقصيدة الحصبة ولافة. المؤرخون لا يلمون جيدا بالأحداث ولا يتفحصون كل شيء طبعا وهناك الآثار التي تدل على الوقائع والأحداث يمكن الاستلال بها في كل شيء يحرك عجلة التاريخ ويكون له اثر في المجتمع ومنه الجانب الفني والإبداعي الذي يكون له حضور أحيانا أكثر من التوثيق المكتوب أو الشفوي.
الاهتمام بالرعية من قبل سلاطين المغرب كان بديهيا ولكن بالنسبة للسلاطين العلويين كان شيمة خاصة من شيمهم،فمن عاداتهم التقرب من رعاياهم ومساءلتهم عن كل شيء، حتى عن نوع المحاصيل من الحبوب (إيباون/ الفول) التي لم تكن محاصيلها موفقة السنة التي زار فيها السلطان المولاي الحسن الأول منطقة عبدة الجنوبية (دائرة العامر تضم سبت جزولة وجمعة سحيم والبحاترة الجنوبية)وهو في طريقه الى الصحراء، كما جاء في الوثيقة المذكورة وكما تم التأريخ له في دفاتير المؤرخين من القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي. ولكن المولى الحسن الأول الذي كان عرشه على جواده كما قيل ومر عدة مرات من هذه المنطقة قاصدا الجنوب؛ خص أهالي هذه المنطقة بوصية ثمينة حين كان يستقصي عن أحوالهم وأوضاعهم ويوصي بهم خيرا". وقد ورد في الصحيفة المذكورة بخط يد هذا الفقيه؛ أن السلطان مولاي الحسن الأول قال لأحد كبار القياد بالمنطقة بحضور أحد مقدمي الزاوية القادرية[2] "إن بلدتكم هذه بلدة طيبة وأكثر أهلها فقراء، عليكم برعاية حق الله فيهم فلا تحملوهم ما لا طاقة لهم به ولا ترهقوهم بالمكوس وارفقوا بهم". (المكوس هي الرسوم الضريبية المفروضة على الأفراد والحيوانات والأنعام والمنتوج الفلاحي)، منقول بأمانة من الرواية الشفوية لجدي رحمه الله الفقير لحماد بن عمر بن احمد. رحم الله السلطان المولى الحسن الأول لقد كان سلطانا مجاهدا وعالما كبيرا من علماء الأمة ورحيما برعيته، كما ورد في كتب التاريخ. (الصبيحي، الكانوني والرجراجي والناصري والمراكشي وابن الزيات وغيرهم...).
وفي التاريخ المعاصر، كانت سبت جزولة على موعد مع المغفور له الملك محمد الخامس مرتين مرة سنة 1959عندما زار مدينة آسفي وديار عبده بعد عودته من المنفى واستقلال المغرب، والمرة الثانية بعد مروره مكلوما حزينا جراء زلزال أكادير سنة 1961، نزل من سيارته مرفوقا بولي عهده آنذاك المغفور له الملك الحسن الثاني وسلم على وجهاء البلدة وعلمائها وكبار رجالاتها، وسأل عن أحوالهم وأوضاعهم المعيشية، وفعل مثلما فعل جده الأكبر المولى الحسن الأول الذي أوصى برعيته خيرا. وقد جاء في قول بعض المؤرخين عن ذلك الحدث :"...كان يوما مشهودا بكى فيه الناس وفرحوا بلقائهم مع زعيم الأمة ورمز التحرير رحمه الله" (وثيقة شفوية مدونة). مر من جزولة عدة مرات الملك الراحل الحسن الثاني في طريقه نحو أكادير ليتفقد بناءها وإعادة إعمارها بعد الزلزال الذي أصابها سنة 1961. كان مروره منها أيضا مشهودا سنة 1973 وهو في طريقه إلى جنوب المملكة في زيارة شملت سلسلة من المدن والقرى على طول الطريق الوطنية الأولى الرابطة بين طنجة والجنوب المغربي حتى تخوم الصحراء ،كان مروره منها مشهودا وسعيدا تملى فيه مواطنو منطقة سبت جزولة بطلعته الكريمة وهم محتشدون على حافات الطريق يحملون الرايات وصور الملك ويهتفون باسم عاش الملك ويشرئبون بأعناقهم لينظروا اليه ولو نظرة واحدة وكأنهم غنموا الدنيا وما فيها، وعند عودتهم الى بيوتهم لم يكن لهم حديث سوى عن الزيارة الملكية واثارها الطيبة التي تركتها في النفوس.
وكم سيكون فرح ساكنة جزولة عارما لو تفضل جلالة الملك محمد السادس وأنعم على سكان هذه الربوع، بزيارة ملكية منيفة، تجدد الروابط القائمة على الحب والوفاء الذي يجمع الساكنة بالملوك العلويين، لقد جالت بخاطري الفكرة منذ مدة ولكنني استحضرتها الآن من خلال كلمة المستشار الجماعي بجماعة سبت جزولة السيد هشام بورقية التي التمس فيها زيارة ملكية تاريخية مشهودة لهذه البلدة، وهو مطلب وجيه وحق من حقوق المواطنة وتعبير صادق عن نبل وصدق المشاعر التي يكنها المواطنون بسبت جزولة لملكهم المفدى ولا شك ان شعور بورقية الذي عبر عنه لا تحكمه الأهواء ولا المزايدات السياسية كما سيدعي البعض، بل هو شعور الآلاف من سكان هذه المنطقة الذين يتحرقون شوقا لهذا اللقاء التاريخي العظيم مبعثه حب الملك ومنبعه الإخلاص للدولة العلوية الشريفة ومآله ارتياح وشعور بالرضى وارتفاع المعنويات بوجود جلالة الملك محمد السادس بينهم في يوم مشهود. وانا من جانبي ككاتب مغربي معروف من ابناء هذه المنطقة أدعم هذا الطلب.
 
[1] بخط الفقيه سي حمو بن الطاهر العضراوي.
(والد جدي المقدم عمر بن احمد رحمهم الله جميعا وطيب الله تراهم، وقد روى لي ذاك شفويا جدي الفقير لحماد رحمه الله الذي تولى أمر الزاوية من بعده. [2]