الأحد 21 إبريل 2019
فن وثقافة

أحمد الشهاوي: حسن نجمي شاعر مثل طفلٍ يصطادُ الضَّوء

أحمد الشهاوي: حسن نجمي شاعر مثل طفلٍ يصطادُ الضَّوء الشاعران حسن نجمي (يمينا) والمصري أحمد الشهاوي

رُبَّما لأنَّني لم أدخل المغربَ إلا متأخرًا نسبيًّا خلال مسيرتي الشعرية، فلم أعرف الشاعر الكاشف حسن نجمي شخصًا أو شِعْرًا، إلا في سنة 1995 ميلادية، حيث قرأتُ ديوانه الرَّابع «حياة صغيرة» الذى صدر في السنة نفسها عن دار توبقال المغربية (الدار التي حملها الشَّاعر محمد بنيس على كتفي رُوحه)، وكان ذلك في بيت صديقي الشاعر نورى الجراح بلندن، ويومها سألتُنِي كيف لم أقرأ أو أرَ حسن نجمي من قبل، في القاهرة أو في المهرجانات الشعرية العربية والدولية التي أشارك فيها؟

إنها الشكوى الدائمة من عدم الحرية لانتقال الكتاب العربي بيُسرٍ وسهولةٍ من بلدٍ عربي إلى آخر، كتبتُ نصًّا أو صُورةً في مديح «حياة صغيرة» ونشرتُه، كما تحدثتُ عنه في إذاعة «صوت العرب» عقب عودتي من لندن، وهو الكتاب الشِّعرى الذى سيُخصِّص الباحث المغربي عبد القادر الغزالي كتابًا نقديًّا عنه حمل اسم: «الصورة الشعرية وأسئلة الذات»؛ لأهمية الديوان في المشهد الشعرى العربي في المغرب، فهو ديوان الاختزال والإيجاز والتكثيف بامتياز. ومنذ ذلك الحين، صرتُ أتتبَّع مسيرة حسن نجمي المولود سنة 1960 ميلادية، معي، لكنه قد يكون بدأ حياته غير الصغيرة مبكِّرًا عن كل أبناء الجيل.

أذكر أن حسن نجمي كتب إهداء الديوان هكذا: «إلى نفسى…»، وكان في هذا الديوان على حد قوله شعرًا: (والشاعر مثل طفلٍ يصطادُ الضَّوء يجمعُ ما سقط من نجوم).

حسن نجمي شاعرٌ خاصٌ جسورٌ في بناء قصيدته، ينشر روحه المعتزلة القلقة المُرتابة من فضِّ الكلام، وتعميمه على أهل السَّماع، شاعر متأمِّل «يقيس الجهات بيديه»، يعرف كيف يحمى نصَّه الشِّعرى من الرتابة والتكرار والاستسهال، والسَّائد والمألوف، والصور المُتاحة والجماليات المُعادة، فهو جالٍ يجلو بحنكةٍ وحكمةٍ وخبرةٍ وذكاء، وجوَّاب يحرثُ ويحرسُ، وقفَّاء أثر فقهاء القول الشعرى قديمًا وحديثًا، لديه قدرٌ عالٍ من التعامل مع اللغة، وتحويل الهامش إلى متْنٍ، والبسيط إلى جوهرٍ؛ كما أن لديه تجربةً عميقةً في عِراكه مع الحياة بشَرِّها وبشَرِها، يسعى إلى المجهُول ليراه، ويذهب نحو المُعتِم لينوِّره، ويمشى في الطرق الوعرة ليعبِّدها، ويرحل تاركًا أثرَهُ؛ ليبحث عن وجودٍ جديدٍ له، وبيتٍ آخر يؤسِّسه ويؤثِّثه: (أعرف كيف أسدِّدُ خطوي)، (لا أحبُّ أن أرى ما يُرى)، فمهمة الشِّعر كما يرى شيلي "أن يرفع النقاب عن الجمال المخبُوء، ويعيد صياغة رؤيتنا للجماليات".

حسن نجمي شاعرٌ سمتُه الغِنى والتنوُّع والاختلاف والتمرُّد، واقتراح الجديد والمُغاير، ابن المعرفة والموسيقى والفن التشكيلي والوعى بالعالم، والاشتغال النقدي والفكري والفلسفي، يحتمى بقصيدة، منصتًا إلى باطنه المُوغل في السِّر، لا يحب التصنيف، والإدراج في أدراجٍ ضيقةٍ ومسبقة، يكره الحياد واللغة الباردة، فالأنا عنده هي الحاضرة بفعلها وتجليها، فمثله لا يعرف الكتابة من الخارج.

فهو شاعرٌ (الشِّعر قضيته الأولى)، ويؤمن بأن المعرفة الشعرية ذات طبيعة غجرية، لا تفضِّل الاستقرار والجمود، ولا تستجيب للقوالب والأنماط الجاهزة، أليس حسن نجمي هو القائل: (أصبحتُ أكثر ميلا لكتابةٍ نابعةٍ من التجربة، ومما يتصيَّدُه النظر الحاد المنتبه). حسن نجمي شاعر يكتب؛ لأنه يحب الحياة.
(عن "المصري اليوم")