الخميس 27 يونيو 2019
كتاب الرأي

عتيقة الموساوي: استراتيجية السكن تبنى على مبادئ التشارك والتآزر بين الطبقات

عتيقة الموساوي: استراتيجية السكن تبنى على مبادئ التشارك والتآزر بين الطبقات عتيقة الموساوي

قدر لي سنة 2009 أن أكون ضمن البعثة الإدارية لوزارة الإسكان والتعمير آنذاك، بمساعدة صندوق الدعم للاتحاد الأوروبي، وبدعم برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، من أجل اكتساب التجارب والوقوف على التجربة التركية في مجال محاربة السكن الغير اللائق، والتي تعتبر من التجارب الرائدة.. ولشدة إعجابي بها دونتها على شكل وثائقي في قرص مدمج، وقدمتها لمسؤولي الوزارة لأجل الإفادة والاستفادة.. لكن للأسف يبدو أن ذاك العمل قد ضاع مجهوده بين دهاليز وأدراج المكاتب في إهمال صارخ للطاقات والكفاءات؛ الشيء الذي ينعكس بالسلب على التدبير العقلاني للقضايا والمشاكل ذات الصلة بالقطاع.

التجربة الإسكانية لتركيا تجربة رائعة تستحق أن يحتذى بها، فقد خلقت لها نموذجا فريدا ورائعا في مجال محاربة السكن الغير اللائق وحققت الاكتفاء الذاتي السكني. فقبل سنوات لم تكن تركيا إلا دولة مشابهة لمثيلاتها في الوطن العربي من ناحية الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لكنها حين استوعبت جديا حجم مشكل السكن، طرحت حلا مثاليا: فأنشأت أحياء ومدنا اتخذت من العلو العمودي وسيلة لمضاعفة الوعاء السكني، بإنشاء إقامات من 12 إلى 20 طابقا بالمدن الكبرى بمساحات من 80 إلى 120 متر مربع، وعملت على إنشاء مدن سكنية ضخمة ذات إطلالات رائعة، وبيئة نظيفة صحية على حدود المدن. وأسست لأجل هذا الغرض الإدارة العامة للإسكان، المختصرة بـ "طوكي"، وأنشأت لها صندوقا نقديا خاصا لضمان تمويل ماليتها عن طريق الاكتفاء الذاتي، منفصلا عن الميزانية العامة للدولة. وتعمل على تغطية تكاليف صندوقها النقدي من خلال التجارة العقارية من شراء وبيع للأراضي والمناطق السياحية... وهكذا أرست مبادئ التشارك بين طبقات المجتمع. فشراؤها للمشاريع الضخمة وبيعها للطبقة الغنية، تحصل من خلالها على فائض أموال ربحية، تبني بها البيوت السكنية للمواطنين وتخصصها للضعفاء وذوي الدخل البسيط وغير القار.. وتنهج في البناء استراتيجية في غاية الدقة والوضوح، حيث تمنح الأراضي التي تم شراؤها للمقاولين ليقوموا ببناء مدن ضخمة، وبدل أن تدفع لهم الأجر النقدي، تتعاقد معهم على تقاسم بعض الشقق، وبذلك تستطيع إتمام عملية البناء بدون دفع نقدي واحد. وهكذا أرست مبادئ التشارك والتآزر بين الطبقات، هذه هي الاستراتجيات المعقولة، الواضحة المعالم ذات النفع العام.

ونحن، استوردنا التجربة كما استوردنا غيرها وخضرمنها  بالطريقة المغربية، وكانت النتائج أن:

- منحنا بقعا أرضية للمستفيدين، دون أن نراعي هشاشة وضعهم الاجتماعي والمالي، وتركناهم يبنون الدور الشبيهة بالأحياء العشوائية، يزيدون  وينقصون في تحدٍّ صارخ للتراخيص!! يضيفون طوابق بعيدا عن أعين المراقبين، ويغطون أجزاء من الأسقف بالقصدير والبلاستيك.

- قدمنا الشقق منخفضة التكلفة بمساحات محدودة جدا، دون مراعاة للحاجيات البسيطة للأسر، فأصبحت علبا اسمنتية تضم العشرات من أفراد الأسرة الواحدة، لا يراعى فيها أدنى شروط العيش الكريم للفرد ولا حتى للمجتمع..

وبالتجوال بين أحياء إعادة الإسكان، حدِّث ولا حرج عن الأوبئة والانفجارات اللا أخلاقية...

- ودفعنا للأسف من الأموال العمومية، وأسميناها دعما للسكن الاجتماعي، لم يغط أثمنة اقتناء الشقق، ليضيع في صناديق الأبناك التجارية وتضاف إليه جدولة أقساط سلف مضاعف ليصبح في الأخير عجزا ماليا.

وما زلنا نبحت في الأفق عن الحلول. ولن نراها تأتي حتى نقطع مع سياسات الماضي بكل أساليبه.. فإنتاج السياسات العمومية السكنية الناجحة يقتضي بُعد النظر لدى من هم في مراكز القرار، والاستراتيجيات يجب أن تراعي الجوهر في الإبداع الخالص وليس اللجوء إلى مجرد عملية الاستنساخ.. والتدبير العقلاني يجب أن يكون تدبيرا يراعي مبادئ التكافل والتشارك والتضامن الفعلي لإنتاج الحلول، وليس أنصاف الحلول التي تترك الثغرات.. فما أحوجنا اليوم إلى العقول الرشيدة المدبرة والحكيمة، وليس إلى من يجلس  على كراسي المسؤولية ليملأ المكان فقط.

فما دمنا نعتبر في سياساتنا دور الصفيح  مجرد استفادات فلن نبرح مكاننا؛ وما دمنا نعتبر تمويل السكن الاجتماعي فقط دعما عابرا وليس مالا يعد بالملايير نستطيع أن نبني ونشيد به مشاريع سكنية جد مهمة في المستقبل، سنبقى بالتأكيد، خارج المجال، مجانبين للخط الصحيح من حيث إنتاج سكن الاجتماعي المطلوب.

فحين نضبط أمورنا أكثر، ونعترف بأخطائنا، سنجد الطريق الأوضح والسليم لإعادة اعتبار كل سكن غير لائق بمثابة سكن، على الدولة تحمل عنه البديل، وكل ساكن أين ما وجد به هو بالتأكيد طالب للسكن. فما على الدولة إلا العمل على توفيره بضوابط تراعي ثمن التكلفة وبصيغة التضامن والتآزر والتشارك الحقيقي لبناء الفرد والمجتمع..

ولكل المهتمين والمتتبعين اقول في الختام دمتم على وطن.

 - عتيقة الموساوي، متصرفة بوزارة العداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة