الخميس 20 يونيو 2019
كتاب الرأي

مصطفى العراقي:ونحن نودع 2018..مغرب الراهن ومغرب الأفق

مصطفى العراقي:ونحن نودع 2018..مغرب الراهن ومغرب الأفق مصطفى العراقي
بعد أيام، وكالمعتاد كل سنة، ستشرع وسائل الإعلام بمختلف أنواعها في تقييم حصيلة سنة تعيش ما تبقى من أنفاسها وتطوي آخر أوراقها.. وسترسم هذه الوسائل خرائط محتملة للسنة المقبلة وما قد تعرفه من أحداث وما ستحبل به من وقائع استنادا على حصيلة السنة التي سنودعها سنة 2018.
من شرفات عدة ستطل وسائل الإعلام والمعنيون والمتتبعون والراصدون تنظيمات أو أشخاصا ذاتيين كل في اختصاصه . سيطلون على حقول السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة ...ماذا أنتجت في عام مضى وما قد تنبث أرضية السنة القادمة 2019 من ثمار حلوة أو مرة شائكة أو سهلة الملمس ذابلة أو ناضجة...وباختصار هي صورة سيتم رسمها للآن وللغد.. لكن صورة اليوم ستكون نتاج عمق زمني شكل بتفاعلاته وبوقائعه تلك الأرضية التي تستند عليها هذه الصورة.
انطلاقا من كل ذلك لنطرح السؤال: ما هي صورة المغرب الراهن وهو يغادر سنة ويستقبل أخرى؟؟
بدون تردد سيكون الجواب المختصر إنه مغرب دون مستوى طموحات شعبه:
سنة جديدة من عجز تدبيري لحكومة أساءت صورتها لدى الرأي العام بسبب عدم انسجامها وعدم نجاعتها .
سنة أخرى امتد فيها شبه إفلاس سياسي لأحزاب اتسعت الهوة بينها وبين المواطنات والمواطنين.المتأمل للمشهد الحزبي لا بد أن يقف على أن هناك تراجعا وعياء فكريا وتنظيميا .بعض هذه الأحزاب يعيش شيخوخة أطروحات وبعضها استغل عواطف الناس وخيباتهم وانكساراتهم ..وبعضها يتخبط في أزمات ديمقراطية داخلية .وبعضها مجرد تركيب لقطع متناقضة فكريا متنافرة إيديولوجيا ...ودون شك فإنها أخلت بمسؤولياتها وهي التي يتم تمويلها من المال العام . وهنا نشير فقط بأن تكلفة مشاركتها في الاستحقاق الأخير فاقت 200 مليون درهم ...
سنة فقدت فيها هذه الأحزاب ومعها نقاباتها وتنظيماتها الموازية القدرة على التأطير .
وبالتالي فإن منسوب المبادرات التي تتخذ اليوم احتجاجا أو تظاهرا أو تعبيرا عن تذمر أو رفض هي مبادرات بقيادات وزعامات خارج هذا الفضاء الحزبي والنقابي ...وهنا لابد من الإشارة إلى أحداث الحسيمة وجرادة و"المقاطعة" و مسيرات التلاميذ ...اليوم وكما قال الأستاذ محمد الساسي "القوى الفاعلة في الشارع غير موجودة في المؤسسات أو ليس لها حضور وازن (..) القوى الحاضرة بشكل بارز في المؤسسات ، إما أن تأثيرها ينعدم في الشارع .وإما أن سمعتها لديه متردية وفي الحضيض".
سنة شكلت امتدادا لتلك الصورة التي مافتئ جلالة الملك يشخص حالتها وهو يتحدث عن الإدارة والمؤسسات والمنتخبين والأحزاب والتنمية والقطاعات الاجتماعية...
سنة تباطأت فيها الدورة الاقتصادية لتنتج بدل الثروة وفرص الشغل تردي القطاعات الإنتاجية واتساع البطالة ...
هذه بعض ملامح المغرب الراهن .. لكن أي أسباب أنتجت هذه الصورة؟؟
هي محصلة تراكمت خلال الخمس سنوات الأخيرة بشكل خاص..هي محصلة تتوج دورة سياسية بدل أن تنتج إصلاحات أفرزت أعطايا .. لقد كانت للمغرب قوة دفع هائلة في أن يخطو خطوات متميزة داخليا وفي محيطه الإقليمي ..تشكلت هذه القوة من أربعة منطلقات على الأقل تمثلت في :
توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة
الصيغة الجديدة لمؤسسات النهوض بحقوق الإنسان .
المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
دستور 2011 ومعه الخطاب الملكي لـ 9 مارس لنفس السنة..
لكن القاطرة الحكومية التي قادت مغرب العقد الأخير لم تتخذ بالفعل من هذه المنطلقات وقودا لها .فتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ظل أغلبها حبرا على ورق .. ومؤسسات حقوق الإنسان انتهت مذكراتها وآراؤها واقتراحاتها الى أرشيف الحكومة أو البرلمان دون أن تساهم في كيمياء العملية التنظيمية والتشريعية.
اليوم المغرب بحاجة مستعجلة لدورة إصلاحات جديدة ذات مصداقية وناجعة ، تعيد الثقة للمغاربة ..
اليوم دستور 2011 بحاجة إلى عمليات ضخ أكسجين في روحه وجرعات كالسيوم في مفاصله ليقوى عن إصلاح الأعطاب التي أصابته سواء بسبب التفسيرات غير الديمقراطية للمتن الدستوري أو ل "التشويه" الذي شاب المجالس والمؤسسات التي نص على إحداثها .تشويه كبح وفرمل انسجامها مع هذه الروح.لقد عرفت عملية التنزيل تراجعا "خان" إلى درجة ما نسبة المصادقة على الدستور وشبه الإجماع الذي حظي به والآمال التي ولدها ..يقول الأستاذ حسن أوريد " نحن البلد الوحيد في العالم الذي يتحدث عن تنزيل ديمقراطي للدستور وهذا لا يوجد في اي بلد .لأنه من الطبيعي أن تأول الوثيقة الدستورية نفسها ".. لكن هناك من نصب نفسه بديلا للدستور في التأويل ولوى عنق الوثيقة كي تنسجم مع مصالحه السياسية والاقتصادية ..
لقد تم تبذير زمن مهم في العملية السياسية والاقتصادية ببلادنا .وأصبح الإحباط مخيما على الأوضاع الاجتماعية .. وهاهو الشارع يعبر بطريقته عن ذلك . وهاهو المطلب الرئيسي والمستعجل اليوم في الحاجة الى دورة اصلاحات جديدة بحكومة قوية مستندة على برنامج استعجالي . دورة بقرارات جريئة وبسياسات عمومية منتجة وبأهداف واضحة وبمؤسسات ذات مصداقية ... ذلك ما نأمله في السنة المقبلة كي يكون الأفق المغربي مستقرا بدون مطبات اجتماعية أو مفاجآت صادمة.