الخميس 13 ديسمبر 2018
كتاب الرأي

تدمري عبد الوهاب: المشروع السياسي الديمقراطي.. منطلقات لابد منها

تدمري عبد الوهاب: المشروع السياسي الديمقراطي.. منطلقات لابد منها تدمري عبد الوهاب

1) مسألة الدولة والديموقراطية:

إن أي مشروع سياسي ديمقراطي يطرح نفسه بديلا ممكنا يجب أن يقطع مع جل المقاربات السابقة في النضال من أجل هذه القضية التي برهنت على فشلها ومع كل أشكال مقارباتنا وتوصيفنا لطبيعة المرحلة، التي اسميناها بمرحلة النضال من أجل الديمقراطية التي غاب عنها العقل النقدي والتحليل العلمي لواقعنا السياسي بخصوصياته السوسيوثقافية والتاريخية، والذي كان من تداعياته وتبعات فهمنا الهلامي للمسالة الديموقراطية، احتواء الدولة للكثير من النخب التي اعتقدت بحسن نية بمبدأ تغييرها من الداخل، وبدل دمقرطة هذه الاخيرة تمت مخزنتها. إذن فإن نجاح هذا المشروع يتطلب منا البحث في مداخل جديدة لإحقاق عملية الانتقال إلى الديمقراطية بعد تحديد أي نوع من الديمقراطية نريد: هل تلك التي ارتبطت بالدولة الوطنية القومية التي تستقي جذورها الفكرية من فلسفة عصر الأنوار ومشروعها الحداثي، والتي يمكن اختصارها في شكل الدولة اليعقوبية التي تستند علي مبدأ العقلانية الديكارتية، التي يأخذ فيها القرار الصبغة العمودية من النخبة إلى الشعب، ومن المركز إلى الهامش بالشكل الذي تمارس فيه هذه الاخيرة وصايتها على العقل وعلى المجتمع، حتي وإن تمثلت القيم الحداثية كالحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون، وهي القيم التي لا يجب أن تتنافي ووحدة الشعب والأمة، وأن لا تنزاح عن المفاهيم التي تحددها هي بموجب هذه الوصاية التي تمارسها من داخل المفاصل الإدارية للدولة الأمة الضامنة للوحدة الوطنية واللاغية للتعدد والتنوع الذي تعرفه الشعوب والمجتمعات، ولكونها كذلك، فإنها لم تكن يوما ديمقراطية، وكانت سببا في استعباد واستعمار الكثير من شعوب العالم وفي نشوب حربين عالميين متتاليتين. إذا كان هذا النموذج الديكارطي قد استنفذ مهامه التاريخية بعد أن شاخت نخبه وعجزت على استيعاب التغيرات الاجتماعية والسياسية من حولها، وأدت إلى ما أدت إليه من كوارث انسانية، فهل من واجبنا نحن إعادة إحياء الموتي، بتمثلنا هذا النموذج لمفهوم الدولة والديمقراطية والاكتفاء بالقول بالديمقراطية دون أن ندقق في أي شكل من أشكال الديمقراطية نريد، ونسقط بموجب هذا الغموض في المفهوم التاريخاني للتطور الذي يقتضي ضرورة المرور بها، أم وجب علينا الاستفادة من التراكمات التي يعرفها حقل العلوم الإنسانية، ومن تجارب الشعوب في نضالها من أجل الحرية والتقدم.. وبالتالي أن نتشبث بحقنا في الديموقراطية التي تؤصل للدولة الديمقراطية القائمة علي مبدأ التعدد والتنوع التي يصبح فيها القرار أفقيا وتشاركيا بين مختلف مكونات الشعب، وبين مختلف جهاته السيادية، التي هي ضمان وحدته ومصدر قوته، بالشكل الذي يتغلب فيه منطق الأخوة على منطق الأبوة. إنه النموذج الذي يستقي مشروعيته من فلسفة ما بعد الحداثة التي تستند إلى المنهجية الكوانطية القائمة على النسبية في تحديد الأولويات الضرورية للتطور ودون أي تفضيل قار للعناصر المتحكمة فيه، وهو ما يتعارض والمفهوم الميكانيكي الدكارطي الذي قامت عليه الدولة اليعقوبية ومرحلة عصر الحداثة. إنه النموذج الذي نراه ملائما لوضعنا السوسيوثقافي المتعدد في خصوصياته التاريخية والجهوية، إضافة إلى ما عانيناه من تجربة مريرة مع نموذج الدولة اليعقوبية في طبعتها المغربية التي كانت سببا في الكثير من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وكل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالمجتمع المغربي، ومع منهجها الإقصائي المرتبط بمفهومها الخاص للامة، المعدم لأي شكل من أشكال التعدد، وهو المفهوم الذي أصل نظريا لبناء موقفها من مسألة الوحدة الوطنية الذي تحول بمقتضاه إلى صك اتهام بالخيانة والانفصال لكل من طالب بحقوقه الثقافية والتاريخية والسياسية أو بحق الجهات التاريخية في تقرير مصيرها في إطار دولة الأوطونوميات الجهوية المتضامنة، وهي بذلك كانت ولا تزال مسؤولة على ما يعرفه المغرب من نزاع ترابي في جهة الصحراء ومن ضعف بالإحساس بالانتماء للوطن في كثير من المناطق والجهات.

إننا إذن مع نموذج الدولة الديموقراطية كبديل للدولة الأمة كونه النموذج الذي يتيح إمكانية أن يشكل الهامش عنصرا محددا في عملية التغيير والبناء ليتحول بموجبها الاستثناء إلى قاعدة بما يقتضيه هذا الفهم من تسبيق لسؤال شكل الدولة عن سؤال شكل السلطة وتحديد الآليات والوسائل المناسبة لمقاربته بما يعيدنا بشكل من الأشكال وليس من قبيل الاستنساخ إلى بداية مرحلة الاستقلال عندما طرحت مشروعيات وطنية وتاريخية أخرى سؤال أي دولة نريد لمرحلة ما بعد الاستقلال، والتي تم إعدامها بحجة خيانة الوطن والعرش، وأسست بذلك للمرحلة الأولى للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تم تغييبها قصدا من التقرير النهائي لهيئة الإنصاف والمصالحة، وذلك نزولا عند رغبة الفرقاء السياسيين الذين نصبوا أنفسهم أوصياء علينا وعلى الشعب المغربي، وسوقوا لنا الحقيقة وفق مفهومهم الخاص و بما ينسجم كذلك والمنطلقات الفكرية والفلسفية التي تأسست عليها الدولة المغربية وكل العملية السياسية لمرحلة ما بعد الاستقلال. كما أن طبيعة هذه الأسئلة التي تتمحور حول شكل الدولة، ومن ثم شكل السلطة هي من سيعمل علي إعادة صياغة الكثير من المفاهيم التي تأسس عليها الفكر السياسي المغربي المعاصر كمفهومي السيادة والوحدة الوطنية التي طالما شكلت حاجز الأمان للدولة المخزنية المغربية التي زاوجت بين النموذج المخزني التقليدي والنموذج اليعقوبي وسببا مباشرا لقمع خصومها السياسيين بذريعة الخيانة. وذلك بما يستجيب لبناء نموذج الدولة الديمقراطية القائمة علي الأوطونوميات الجهوية المتضامنة ضمن إطار الوحدة الوطنية القاضية بالتقسيم العادل للثروة والسلطة بين المركز وجهاته ويتحول بموجبها مفهوم السيادة إلى مفهوم مكثف للسيادات الجهوية وإطارا ملائما لحل الكثير من مشاكلنا الترابية سواء بجهة الصحراء الغربية أو بمناطق أخرى مازالت تحت الاحتلال الاستعماري .

إن المشروع السياسي الذي يجب أن نناضل من أجله، إذن، هو المشروع الذي يعمل علي تخليص الدولة والمجتمع من الاضطهاد السياسي والفكري والثقافي الذي تمارسه الدولة الامة في طبعتها المخزنية والحداثية أو في طبعتها الدينية في قادم الأيام، وذلك بالاستفادة مما راكمه الفكر الإنساني وتجارب الشعوب في شكل بناء الدولة والديموقراطية.

2) في مسألة الشراكة السياسية:

إن طرح بعض هذه الأسئلة لا تعني بالمطلق تصعيبا للمهمة، بل لكون نجاح أي مشروع سياسي بديل رهين بمدي قدرة هذا الأخير في مساهمته على الإجابة عليها في أفق تجاوز هذا الوضع المحجوز الذي تمر به المسألة الديمقراطية تاريخيا ببلادنا، حتى لا نعيد تكرار فشل تجاربنا السابقة وأن لا نتحول إلى من يخوض الحروب بالوكالة، كما هو حال بعض القوي السياسية مؤخرا، سواء تلك التي هي من صناعته والتي أوكل لها مهمة تصريف أجندته في مجابهة ما يمكن مجابهته من مشروع تيولوجي يروم إلى دعشنة الحياة السياسية المغربية، أو كما هو شأن بعض القوى والفعاليات المنتسبة إلى الصف اليساري الديموقراطي التي يبدو أنها قد سقطت في فخ التحليل القائم على مبدأ الاختيار بين من هو أقل خطورة، فعمدت إلى عقد لقاءات وتجمعات بمسميات متعددة تعكس إلى حد كبير استمرارية واقع تشرذم وضعف اليسار الديمقراطي المغربي وعدم استفادته من أخطائه السابقة، سواء تلك المتعلقة بعدم مراجعته الجذرية لتصوراته المذهبية والسياسية وتلك المرتبطة بآلياته التنظيمية، مما يجعل هذه المبادرات، التي رغم حسن النية التي تحكمت فيها عاجزة على إحداث أي اختراق لصالح المشروع الديمقراطي، بل على العكس ستعمل علي إعادة تكرار نفس التجارب الفاشلة السابقة .

إن مقاربتنا الجديدة للمسالة الديمقراطية تقتضي منا ومن أي مبادرة سياسية تسير في هذا الاتجاه، أن تحدد بشكل دقيق وواضح شركاءها السياسيين المفترضين الذين لهم مصلحة حقيقية في إنجاز عملية الانتقال إلى الديمقراطية ممن لم يتورطوا في الريع السياسي والاقتصادي، ولكون طبيعة هذا المطلب ليبرالية وجب جعله كذلك شأنا عموميا لجميع القوى والفعاليات التي تعتبر نفسها حداثية وديمقراطية بغض النظر عن أصولها الطبقية والمرجعية، ولا يجب اعتباره امتيازا أو حكرا على قوى اليسار الديموقراطي، وإن كانت مبادرة إليه. كما أن هذا التحديد المفاهيمي للمسألة الديمقراطية وطبيعة القوى التي يمكن أن تلتف حوله ووضوح الرؤيا في هذا الباب، هو من سيؤهله لربط النضال من أجل الديمقراطية بالنضال ضد الأصولية الإسلامية وكل أشكال الفساد السياسي والاقتصادي الذي تقتسم فيه المسؤولية الدولة المخزنية والأحزاب السياسية المؤثثة للمشهد السياسي ومؤسساته الدستورية. وهو من سيجعل هذا المشروع يقف على مسافة من كل المحاولات التي تسعى إليها بعض من هذه القوى التي تعمل على جعل خطر الأصولية الإسلامية موضوعة جديدة للإجماع، كما جعلت هذه الدولة وأدواتها السياسية موضوع الصحراء وموضوع مواجهة المد الأصولي الماركسي في أواسط السبعينات من القرن الماضي بداية ما سمي آنذاك بالمسلسل الديمقراطي والإجماع الوطني.

إن المشروع الذي نحن بصدد طرحه يجب أن يكون منفتحا علي الفعاليات السياسية والفكرية والثقافية التي تتمثل قيم الحداثة والديمقراطية لأن النضال من أجل احقاق الديمقراطية سيتطلب بالضرورة مواجهة القوى المخزنية وحركات الإسلام السياسي لكونها قوي معادية لها. وبالتالي فإن بناء أي حركة سياسية جديدة يفترض منها أن تكون بديلة يجب أن تستثني القوى السياسية التي ارتبطت بنيويا ببنية الدولة المخزنية العميقة كونها غير مؤهلة لإنجاز هذه المهمة، كيف لا وهي التي شكلت على مدى عقود من الممارسة السياسية جزءا من الأزمة وليس من الحل، وكانت مسئولة بشكل مباشر أو غير مباشر عن واقع الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعيشها المجتمع المغربي منذ اتفاق إليكس لبان بحيث أصبحت هذه القوى مع تراكم امتيازاتها ومصالحها وارتباطها عضويا بمصالح النظام السياسي المخزني معيقا حقيقيا لأي فعل يروم إلى إحقاق الانتقال إلى الديمقراطية بالمغرب، وتستوجب بالمقابل المحاسبة والمساءلة والحل، وإن أي إشراك لها سوف لن يعمل إلا على تمديد عمر أزمة الانتقال الديمقراطي بالمغرب من خلال تجديد هياكل الدولة المخزنية وإعادة إنتاج ولو مؤقتا منظومتها السياسية المتهالكة.

إذا كان هذا ينطبق على أحزاب الحركة الوطنية التي أسميناها سابقا بالديمقراطية وتفرعاتها، فما بالك بتلك المسماة إدارية بقديمها وجديدها التي تعتبر جزءا من بنية النظام السياسي المخزني والتي تتقوى من قوته وريعه وتنحصر مع ضعفه. كما أن هذا النقاش يجب أن يكون حذرا في تعاطيه مع الكتل المصنفة يسارا ديمقراطيا أو جذريا رغم كونها قد انتفضت على الأحزاب الوطنية وتفرعت عنها في مراحل تاريخية سابقة، وذلك في سياق نقدها الشديد للأداء السياسي لهذه الأحزاب التي اعتبرتها إصلاحية وتحريفية ومتواطئة مع الدولة المخزنية، ما لم تتلمس هذه الكتل الإجابات الحقيقية لمجمل الانتقادات التي صياغتها ضدها وكانت سببا في نشأتها، وكذلك ما لم تعبر عن استعدادها للمراجعة الجذرية لمسار تجربتها السياسية الفاشلة ولمجمل تصوراتها المرجعية المتحجرة التي استقتها من المدرسة اليسارية الشرقية التي ولدت مع حركة القوميين العرب التي نشأت على واقع الهيمنة العثمانية وكان لتوظيف العنصر القومي العربي آنذاك أثرا مهما في مواجهة الاستعمار التركي، وهو ما جعلها كذلك تشتغل بمنظومة فكرية غارقة في المركزية التنظيمية وبعيدة كل البعد عن واقع مجتمعنا المغربي الغني بتعدده الثقافي واللغوي وخصوصياته الجهوية والتاريخية، مما حولها مع مرور الوقت إلى مجرد نواد سياسية. هذا في الوقت الذي كان مطلوب منها الوقوف عند أسباب انحصارها وفشلها في تحقيق الأهداف التي انفصلت من أجلها بما يستوجبه من قراءة نقدية شاملة تقتضي تجديدا شاملا لمرجعياتها ولتصوراتها الفكرية والسياسية ولآلياتها التنظيمية والاستفادة مما تمت مراكمته في هذا المجال من داخل الفكر اليساري بصفة خاصة، والإنساني بصفة عامة، وبكل ما هو تنويري في تراثنا الحضاري الذي يزخر به المجتمع المغربي من تعدد ثقافي ولغوي وبكل ما يمثله تاريخه الكفاحي من أجل الحرية والكرامة وذاكرته الجماعية المشرقة التي عمدت الدولة المخزنية والقوى السياسية إلى تحريفها بشكل ممنهج بما يخدم استراتيجيتها في الاستمرارية والتحكم القائمة على مبدأ الوحدة الوطنية والقومية العربية المعدمة للتعدد وللهوية الأمازيغية للمغرب، ولم يقم اليسار يوما على منازعتهم فيها وإماطة اللثام عليها، ومن ثم إدراجها ضمن تصوراته وآليات مواجهته لهم. بل استكان لمنطق الدكاكين السياسية التي تسعي للنقاوة الأيديولوجية ولا ترى مخرجا لأزمة اليسار إلا في عملية تجميع كياناته المأزومة.

إن هذا التحفظ الذي يمكن أن يبديه أي مشروع سياسي يساري ديمقراطي يطرح نفسه بديلا في التعاطي والانفتاح على الكتل السياسية اليسارية يجد مصوغاته كذلك في واقع التشرذم والإحباط الذي يعيشه الكثير من مناضليه ونخبه السياسية التي عملت الدولة على الإدماج المتدرج للكثير منها في هياكلها الإدارية والاقتصادية والسياسية، وذلك بعد أن استشعرت هذه النخب هزيمتها وفشل مشروعها المجتمعي كما صاغته واعتقدت به وناضلت من أجله في مراحل تاريخية معينة وذلك مع انطلاق ما سمي بالعهد الجديد الذي أوعز إليها مهمة الإشراف على مسلسل الإنصاف والمصالحة وتكفلها بمهمة إنجازها رغم كل الخروقات التي شابتها شكلا ومضمونا وتصدرت الدفاع على هذه التجربة أكثر من النظام نفسه وسوقت لها داخليا وخارجيا متبنية بدورها ما كانت تنتقده بشدة لدى أحزاب الحركة الوطنية، حين اعتقدت هذه الأخيرة بالمسلسل الديمقراطي الذي أطلقه الملك الراحل في السبعينات من القرن الماضي، وأن التغيير ممكن من داخل الدولة إلى أن تم استيعابها بشكل كلي فكان هي من تغيرت في اتجاه المخزنة ولم تتغير الدولة في اتجاه الدمقرطة، فتآكلت نخبها تدريجيًا حتى أصبحت في الوضع الذي هي عليه اليوم.

إذن فإن المشروع الذي نحن بصدد طرحه اليوم إذا لم يستطع استيعاب الدروس من تاريخنا السياسي الحديث والوقوف عند الأسباب الصريحة الكامنة وراء فشل كل هذه التجارب السياسية، ابتداء من تجربة الحركة الوطنية وانتهاء بقوى اليسار الجديد وتفرعاتهما في إنجاز مهام الانتقال إلى الديمقراطية وما استتبعه من واقع سياسي واقتصادي واجتماعي مأزوم وفر كل الظروف الخصبة لصعود القوى الأصولية الإسلامية التي أضحت تطرح نفسها بديلا مقبولا شعبيا بعد أن يأس من الفشل المتكرر للمشاريع السياسية السابقة في طبعتيها الوطنية واليسارية. وإذا لم نستطع تلمس أخطائنا في هذه المرحلة التي تقتضي منا النضال من أجل الديمقراطية وضد الأصولية الإسلامية، وذلك من خلال الإجابة على أماكن الخلل فينا، وإعادة قراءة تاريخنا وتاريخ مجتمعنا وآليات مقاومته لكل أشكال الاستبداد السياسي والاقتصادي والثقافي والديني وتمثل متطلباته واحتياجاته في العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية والكرامة وفهم تاريخ المغرب وتاريخ تعاقب الدول فيه والتغيرات السياسية الكبري التي عرفها عبر تاريخه العريق الذي شكلت فيه الهوامش بالمفهوم الذي تطلقه أنظمة الحكم المركزية في توصيف المجال الذي يقع خارج منطقة تمركز سيادة سلطتها السياسية والاقتصادية أو جهاته التاريخية بالمفهوم الديمقراطي الذي يري في الجهات مجالات سيادية شريكة في صناعة القرار الوطني وبناء الدولة الديمقراطية، الدور المحدد والفاعل الأساسي في تغيير وتثبيت أنظمة حكم جديدة، وليس المجال المركزي الذي يحضنها والخاضع لهيمنتها المطلقة من خلال إتقانها لأدوات تحكمها فيه وعليه، وهي بالتالي أي الجهات التاريخية من كان يصنع اللحظات المفصلية في تاريخ المغرب وليس عواصمه.

إذن فإن أي محاولة لتجميع ما تشتت من اليسار أو من هم مازال منتظما على أفكار وتصورات سياسية وتنظيمية استنفذت تاريخيا في إطار التجارب الفاشلة المتعددة لليسار المغربي، لا يمكنها كذلك إلا أن تؤدي إلى مزيد من الإحباط وتهيئ الظروف لما تبقي من نخبه الفكرية والثقافية والسياسية لأن تصبح وقودا محتملا لتجديد هياكل الدولة المخزنية ولنظامها السياسي، وسيشكل من سبق والتحق من هم نموذجا يحتذى به لمن تبقي أو سيأتي منهم وكان قدر اليساريين الديمقراطيين المغاربة هو تجديد دورة الحياة للدولة المخزنية، بعد أن تصدروا النضال من اجل مهام كان من المفروض أن تتولاها القوي الليبرالية لو وتواجدت فعلا كقوة سياسية مدركة لمهامها التاريخية، وذلك بعد أن استنفذت احزاب الكتلة الديمقراطية هذه المهام وشاخت في عمرها السياسي والبيولوجي.

إذن يمكننا القول إن المرحلة دقيقة بما تشكله من واقع محجوز وبما تتسم بها من تعقيدات سياسية واقتصادية واجتماعية وما تفرضه من تحديات تتطلب تكاتف جهود كل الفعاليات الديمقراطية والحداثية أفرادا ومجموعات طالما لم تتورط فيما شهده ويشهده المغرب من إفساد للعملية السياسية من جهة، والتي هي مستعدة لإجراء مراجعات عميقة وجوهرية لمجمل تصوراتها من جهة ثانية، من أجل إطلاق النقاشات العمومية حول كل هذه القضايا في أفق تأسيس حركة سياسية مجتمعية بديلة محفزة للنخب الفكرية والثقافية، حركة سياسية تروم الى تحرير المشهد السياسي المغربي من الكائنات السياسية التي تتحمل إلى جانب الدولة المخزنية قسطا وافرا من المسؤولية في إفشال عملية الانتقال الديمقراطي وفي كل ما حدث من انتهاكات جسيمة لحقوق الانسان من خلال مشاركتها في الكثير من الاستحقاقات السياسية والحكومات الصورية المتعاقبة التي توجتها، وعملت من خلالها كذلك علي إضفاء الشرعية علي سلطة الاستبداد والحكم الفردي الذي أقر العالم والمؤسسة الملكية نفسها ولو ضمنيا بطبيعته الدكتاتورية من خلال تبني المغرب رسميا لموضوع العدالة الانتقالية التي خصت بها الأمم المتحدة الشعوب التي عرفت أنظمة شمولية واستبدادية وليس الأمم الديمقراطية. وبذلك تكون هذه القوى كذلك قد ارتبطت مصالحها الاقتصادية والسياسية بلوبيات الفساد للدولة المخزنية العتيقة المطلوب تغييرها.

3) في مسالة المشهد الحزبي ومقتضيات إعادة البناء:

كما أن على هذه الحركة واجب إعادة صياغة الأرضية الثقافية والفكرية والسياسية وفق تصورات جديدة تقطع مع الأساطير المؤسسة للفكر السياسي المغربي المعاصر وتتحرر من مخلفات الماضي التي نتجت عن عقود من الممارسة السياسية والاقتصادية الفاسدة أدخلت بموجبها فئات واسعة من المجتمع المغربي في هشاشة شاملة واغتراب هوياتي وروحي ينزع نحو التطرف واللاتسامح وكل أشكال التمييز مما يعيق أي فعل فكري وسياسي يروم الي إحقاق قيم العدالة والحرية والديمقراطية الضرورة لأي ممارسة سياسية نزيهة قوامها التنافس الديمقراطي على أساس البرامج وممارسة السلطة على قاعدة المسؤولية والمحاسبة. وهي الأرضية البديلة التي علي هذه الحركة كذلك واجب تثبيتها وتسييدها بالشكل الذي سيوفر الظروف الخصبة لتشكل مشهد حزبي جديد.

إذن فبالقدر الذي يجب على هذه الحركة أن تتسم به من وضوح في تصوراتها ومواقفها من المسألة الديمقراطية، يجب عليها كذلك أن تتخذ موقفا حازما من المشهد الحزبي المغربي ومن طبيعة الدولة والمؤسسة الملكية كمسؤولين تاريخيين علي واقع الأزمة الشاملة التي تكاد تعصف بالجميع، وذلك بعيدا عن أي مجاملات سياسية تروم إلى إخفاء الحقيقة، والتي يمكن أن تنم عن تحريفية سياسية جديدة تسعى إلى إعادة إنتاج التجارب الفاشلة السابقة، وتزيد من حدة التوتر والقلق الناتجين عن واقع الأزمة التي يعيشها المجتمع المغربي.