الأحد 21 يوليو 2019
مجتمع

لماذا تقتصر أموال المحسنين على بناء المساجد فقط، بدل بناء المشاريع الاجتماعية الأخرى؟

لماذا تقتصر أموال المحسنين على بناء المساجد فقط، بدل بناء المشاريع الاجتماعية الأخرى؟ الأستاذ محمد جحاح مع صورة لمئذنة مسجد

التركيز الكبير للعمل الإحساني في جمع الأموال لبناء بيوت الله، رغم أنه يحظى بإشادة الكثيرين باعتباره من القيم الإسلامية النبيلة، إلا أن بعض المراقبين يسجلون بالمقابل نقصا حادا في مبادرات إحسانية نحو مجالات أخرى مهمة كذلك، سواء فيما يتعلق ببناء مستشفيات أو طرق وقناطر أو حفر الآبار أو دور رعاية الأيتام وغيرها من القطاعات التي تفيد الناس في حياتهم اليومية.. في غياب بوصلة حقيقية من قبل الدولة لإرشاد وتوجيه المحسنين.

لتسليط الضوء على هذا الموضوع، «أنفاس بريس» تنشر رأي محمد جحاح، أستاذ باحث بشعبة علم الاجتماع بجامعة بمكناس.

"لا يمكن الجزم بإجابة محددة في غياب دراسة سوسيولوجية «ميدانية» حول الموضوع، وفي عدم توفر إحصائيات رسمية بهذا الصدد، في الواقع، وحتى لا نسقط في نوع من التعميم، فالمجتمع المغربي لم ولا يعدم أيضا وجود أشكال أخرى من العمل الإحساني/ الاجتماعي -وعلى محدوديتها طبعا- غير تلك المرتبطة ببناء المساجد.. ولعل هذا ما يقودنا إلى طرح سؤال آخر أهم، إذ ما مدى مشروعية الحديث هنا -وبهذه الصيغة التعميمية- عن «فئة المحسنين» كما لو كانت فئة متجانسة سوسيولوجيا. ولعل متغيرات من قبيل (السن والجنس والمهنة والمستوى الدراسي والسكن...إلخ)، كفيلة بأن تصنع الفرق في الاتجاهات والاختيارات؛ كما أن المجال هنا قد يعتبر محددا أساسيا (حيث يمكننا التمييز هنا بين مجال قروي، مجال حضري ومجال شبه حضري).. لكن هذا لا يمنع طبعا من تقديم بعض عناصر للإجابة..

حقيقة، لو سلمنا بفكرة تركز العمل الإحساني أساسا على بناء المساجد، فهذا يبدو في اعتقادنا مؤشرا من بين مؤشرات أخرى على هيمنة «الحس الديني» -لدى هؤلاء- على حساب ما يمكن أن نصطلح عليه هنا بـ "الحس المدني"...

إن العمل المدني يتأسس في جوهره على مبدأ «التطوع» والتضحية لأجل خدمة الصالح العام، فهل العمل الإحساني الموجه لبناء المساجد يحكمه نفس المبدأ؟ ربما الإجابة هنا تقتضي البحث في تمثلات الناس حول هذا العمل، ولماذا هم أكثر استعدادا للمساهمة في بناء مسجد من بناء مدرسة أو مستوصف...إلخ؟ في اعتقادي، المسألة تجد تفسيرها بالدرجة الأولى في العامل الثقافي، وفي طبيعة التدين المرتبطة بدورها بعوامل أخرى اجتماعية ونفسية وتربوية... إلخ. لعل مقولة «الثواب» هنا هي ما يفسر هذا السلوك «الإحساني» لدى المنخرطين فيه، كشكل من أشكال التعويض أو المكافأة الأخروية؛ وهذا هو منطوق الحديث النبوي: «من بنى مسجدا بنى الله له قصرا في الجنة». فأين نحن هنا من مبدأ «التطوع»؟

علاوة على ذلك، وهذه المرة من منظور القائمين على عمليات جمع هذه المساهمات الإحسانية، يجب استحضار ما قد يشكله الانخراط في عملية بمثل هذه الرمزية الدينية القوية من فرصة، خاصة بالنسبة لبعض الجماعات الدينية والدعوية السلفية، وذلك في سبيل تيسير عملية الاستقطاب الإيديولوجي والسياسي (الأمر لا يختلف هنا كثيرا عن استراتيجية المدارس القرآنية وحلقات الوعظ والإرشاد الموجهة -في معظمها- لهذا الغرض)؛ ناهيك طبعا عما قد يمثله الإشراف على  العملية من رأسمال رمزي، حتى بالنسبة لغير المحسوبين على الإسلام السياسي (التوظيف لحشد الأصوات في الحملات الانتخابية).. وفي العلاقة بالدولة هذه المرة، يمكن رد مسألة غياب، أو على الأقل، محدودية وجود مبادرات إحسانية لبناء مشاريع اجتماعية إلى اقتناع هؤلاء بأن هذه الإنجازات هي -بالأحرى- من مهام الدولة والجهات الوصية (وزارات ومجالس منتخبة)، بل وتنضاف إلى ذلك حتى جمعيات المجتمع المدني الناشطة في مجال العمل الاجتماعي..

لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هنا هو: لماذا لا تتدخل الدولة لضبط وتوجيه وتقنين مثل هذه المبادرات الإحسانية؟ ليس فقط باقتراح مجالات أخرى لتفعيلها -غير بناء المساجد- بل لتفعيل المساطر القانونية بهذا الخصوص. فكما هو معلوم، فالقانون المغربي يعتبر بأن كل التماس للإحسان العمومي هو جنحة؛ فكيف يمكن تفسير هذه المفارقة إذن؟ هذا من جهة، أما من جهة أخرى، واعتبارا للطبيعة الدينية للنظام السياسي المغربي، ألا تعي الدولة جيدا بأن عدم تدخلها هنا يجعلها تفوت على نفسها جزءا هاما من هذا الرأسمال الرمزي/ الديني، وذلك لصالح قوى منافسة وفاعلين غير مضبوطين (خاصة أمام هذا الاكتساح المتنامي للحركات السلفية والجهادية...)؟ أليس هناك ما يدعو للقلق حقا أمام هذا الاختراق الصامت للحقل الديني، وجعله واجهة للتعبئة والاستقطاب السياسيين؟".

(أرشيف "الوطن الآن")