الأربعاء 14 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

أحمد بلمختار منيرة: هل حان الوقت لتتصالح الأحزاب مع الجماهير الشعبية؟

أحمد بلمختار منيرة: هل حان الوقت لتتصالح الأحزاب مع الجماهير الشعبية؟ أحمد بلمختار منيرة

نعتقد أن الخطاب الملكي السامي الموجه لمجلسي البرلمان، يوم الجمعة 12 أكتوبر 2018، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة، يسائل إلى حد كبير الأحزاب السياسية، سواء كانت في المعارضة أم في الأغلبية، أم غير ممثلة في البرلمان.

واقع الحال يوحي بوجود موقفين واضحين:

- أولهما، يرى أصحابه أن المشكلة تكمن في عدم انخراط الشباب خاصة والعموم في الأحزاب لتغيير بنياتها وتصحيح مسارها. كما أن النضال المتواصل من داخل الأحزاب يمكن من تشبيب قياداتها وتغيير أنماط تفكيرها وتقديم البدائل الاقتصادية والاجتماعية. وبالتالي التأثير في السياسات العمومية.

- ثانيهما، يحمل المسؤولية كاملة للأحزاب. دلائله، ضعف الديمقراطية الداخلية في العديد منها وانعدامها في بعضها؛ عدم وفاء العديد من ممثلي هذه الأحزاب بوعودها الانتخابية؛ تحكم منطق المصالح الشخصية لدى العديد من "مناضلي" الأحزاب. ولهذه الأسباب وغيرها كثير، تفاقم انعدام الثقة في العمل الحزبي.

وفي كل الأحوال، نعتقد أن الخطاب الملكي الأخير هو دعوة موجهة للجميع وبصفة خاصة للأحزاب، لبدء مرحلة جديدة مرتكزاتها: روح المسؤولية والعمل الجاد، العمل الجماعي، قيام كل واحد بدوره كاملا وهنا إشارة إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة(...)، ومهما تختلف مرجعيات الأحزاب السياسية ومواقفها وتصوراتها، فالمصلحة الوطنية واحدة والتحديات واحدة.

نعم، لقد أبدت كل الأحزاب السياسية إرادتها القوية في الانخراط بشكل ملموس في تحديد معالم النموذج التنموي الجديد مباشرة بعد الخطاب الملكي. ونعتقد أن تنظيم حزب التقدم والاشتراكية لجامعته السنوية حول موضوع: "أي نموذج تنموي بالمغرب؟"، مؤشر جيد على الوعي بضرورة المشاركة الحزبية الفعالة في بلورة النموذج التنموي المأمول. لكن بالرغم من كل الجهود التي ستقوم بها الأحزاب الجادة بهذا الصدد، نعتقد أن السؤال الجوهري الذي يفرض طرحه على كل حزب مغربي في بداية هذه المرحلة الجديدة هو: كيف نسترجع ثقة الشباب بصفة خاصة والعموم في العمل الحزبي؟

دعنا نصارح ذواتنا بكل روح وطنية، الأمر ليس سهلا. والبداية تتطلب توفر مجموعة من الشروط منها:

- ضرورة ممارسة النقد الذاتي من طرف كل حزب كيفما كانت مرجعيته بكل جرأة، وبالطريقة التي يرى أنها صائبة، ومصارحة الجماهير الشعبية بذلك.

- مواكبة ممثلي كل حزب في الجماعات والجهات والمقرات الحزبية بكل مدينة وقرية وجبل، لتقييم أدائهم وتصحيح مساراتهم واتخاذ الاجراءات اللازمة في حق المخالفين والمخالفات لضوابط الحزب.

أن تنقل إسهامات الأحزاب في بلورة النموذج التنموي الجديد بكل أمانة وصدق، الحاجيات الحقيقية للجماهير الشعبية وللطبقة الوسطى: العدالة الاجتماعية، ديمقراطية التعليم، المساواة في فرص التشغيل، الصحة، السكن اللائق(...) بعيدا عن التجريد والمصطلحات الرنانة والوصفات الحزبية المتشابهة لعلاج المعضلات الاجتماعية والاقتصادية. ولا شك أن اختلافات البرامج والمشاريع والبدائل تغني النقاش العام، وتمكن من اختيار نموذج تنموي جديد يجيب على أكثر ما يمكن من حاجيات المواطنين والمواطنات.

إن الفصل السابع من دستور 2011 واضح، فهو ينص على أن تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية(...).

ويبدو لنا أن الدعوة الملكية للرفع من الدعم العمومي للأحزاب، مع تخصيص جزء منه لفائدة الكفاءات التي توظفها، في مجالات التفكير والتحليل والابتكار. أمور تعبر عن الرغبة القوية في أن تؤدي الأحزاب الدور المنوط بها دستوريا، ودعوة صريحة إلى تجديد النخب الحزبية ومن خلالها تجديد التفكير والتحليل والابتكار وإبداع الحلول لقضايانا الاقتصادية والاجتماعية. فلا يمكن حل المشاكل الراهنة ورفع تحديات العولمة التكنولوجية بعقلية الماضي.

أخيرا، لقد حان الوقت لتتصالح الأحزاب السياسية مع الجماهير الشعبية. ولا شك أن المدخل الصحيح لذلك هو أن يكون الخطاب السياسي قادر على الامتداد في الواقع، والسياسي قادر على تحويل كلماته إلى الملموس: تشغيل، تطبيب، تعليم، مساواة...

إن الخطورة تتجسد اليوم في أن الشبكات العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت هي البديل للأحزاب السياسية حيث تؤطر تفكير وسلوكيات الأغلبية العظمى من الشباب.

- أحمد بلمختار منيرة، إعلامي وباحث