الأحد 18 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

عز الدين خمريش: فشل تدبير جهة كلميم واد نون يعكس غياب الحس الوطني للنخب السياسية في المغرب

عز الدين خمريش: فشل تدبير جهة كلميم واد نون يعكس غياب الحس الوطني للنخب السياسية في المغرب الدكتور عز الدين خمريش
ساهمت النخب السياسية غير المؤهلة والمفتقدة إلى الحنكة والتجربة في فشل تدبير وتسيير دواليب الجهة وإنجاح نظام الجهوية المتقدمة ؟
في سياق إعلان وزارة الداخلية عن قرار توقيف مجلس جهة كلميم واد نون، وتعيين لجنة خاصة عهد إليها بتصريف أمور المجلس الجارية خلال مدة التوقيف؛ تناسلت العديد من القراءات والآراء منها ماهو سياسي وقانوني ومنها ماهو مرتبط بالتوجهات الترابية للمملكة المرتكزة على نموذج الجهوية المتقدمة التي يحاول المغرب تنزيل مقتضياتها في إطار الحكامة الترابية الجديدة .
وفي ظل المخاض السياسي العسير الذي يعرفه المغرب بخصوص هذا النظام الجهوي الجديد كأحد أهم الأنظمة الترابية الدولية المستندة على مبادئ وقواعد القانون الدولي، وكشكل من أشكال تقرير المصير في إطار حكم ذاتي موسع يضمن للوحدات الترابية الجهوية تدبير شؤونها بنفسها في استقلال تام عن الدولة المركزية خاصة جهات الصحراء لٱرتباطها الوثيق بالنزاع المفتعل حول قضية الوحدة الترابية للمملكة الشيء الذي يجعلنا تتساءل عن تداعيات قرار توقيف مجلس جهة كلميم واد نون ومدى انعكاسه على تدبير قضية الصحراء مساهمة منا في إثراء النقاش السياسي والقانوني حول هذا الموضوع محاولين بسط الإشكالات التالية : ما مدى شرعية القرار على ضوء الأسس والمرتكزات القانونية لسلطة المراقبة الإدارية على المجالس الجهوية وإلى أي حد سيرخي هذا القرار بظلاله على نظام الجهوية المتقدمة التي يسوق لها المغرب على المستوى الدولي بخصوص النزاع المفتعل حول الصحراء داخل الوحدات السياسية الفاعلة في مراكز القرار الدولي ؟ وكيف ساهمت النخب السياسية غير المؤهلة والمفتقدة إلى الحنكة والتجربة في فشل تدبير وتسيير دواليب الجهة وإنجاح نظام الجهوية المتقدمة ؟
بقراءتنا الاستنباطية للقانون التنظيمي المتعلق بالجهات نلاحظ أن المشرع المغربي تعمد تأطير قرار توقيف أحد المجالس الجهوية بشكل صريح ودقيق من طرف سلطة المراقبة الإدارية وهي وزارة الداخلية وليس من طرف السلطة القضائية شريطة تذييل قرار التوقيف بوجوب إجراء تعيين لجنة خاصة بقرار السلطة الحكومية المختصة مع ضرورة وجود الطابع الاستعجالي الذي يؤدي إليه وهو الأمر الذي يجعلنا نجزم بالقول بأن قرار توقيف مجلس جهة كلميم واد نون سليم من الناحية القانونية وغير مشوب بالشطط في تجاوز السلطة لنتساءل في نفس الوقت عن تداعياته على المستوى السياسي والجيواستراتيجي في ارتباطه بتنزيل نظام الجهوية المتقدمة بالصحراء وبقضية الوحدة الترابية التي ينشدها المغرب كإحدى الآليات الكفيلة بإقناع المجتمع الدولي بمبادرة الحكم الذاتي كحل لقضية الصحراء ؟
قبل تسليط الضوء على هذه الإشكالات ومحاولة تحليل و تفكيك أبعادها السياسية والقانونية لا بد من الإشارة إلى أن الطبقة السياسية في المغرب لا زالت لم تستوعب بعد التوجهات والتحديات الكبرى التي يعرفها المغرب على المستوى الداخلي و الخارجي وخاصة ما يرتبط بتدبير قضية الوحدة الترابية كأهم قضية من القضايا الوطنية الكبرى التي يعيش المغرب بمقتضاها مخاضا سياسيا عسيرا على مستوى تأهيل الوحدات الترابية الجهوية والتي يحاول من خلالها المغرب تسويق نموذجه الديمقراطي الحداثي المبني على الحكامة الترابية وعلى التدبير الجهوي الرشيد المتعارف عليه دوليا في هذا المجال لكن عندما يصطدم هذا النموذج بعقليات وطفيليات سياسية تجعل من المصالح الشخصية الضيقة هدفها الأسمى وتغليب هذه المصالح على القضايا الوطنية الكبرى تكاد نجزم القول بأن النخب السياسية لازالت تفتقد للحس الوطني ولمبادئ المواطنة الحقة القائمة على التضحية ونكران الذات وما نموذج مجلس جهة كلميم واد نون إلا تجسيد لهذه الظواهر السياسية المتعفنة و التي فشلت في تدبير شؤون الجهة وعطلت المشاريع البنيوية والتنموية الكبرى خاصة في ظل التوجه المغربي الحالي لبناء نموذج تنموي جديد بالأقاليم الجنوبية خصصت له الدولة ميزانيات ضخمة مما يجعلنا نقر بأن نجاح الجهوية المتقدمة ببلادنا لا بد أن يتعزز بإجراءات وتدابير جريئة وشجاعة من خلال التحديث المؤسساتي والتأهيل الديمقراطي وبناء دولة الحق بالقانون والحكامة الجيدة وتأهيل وبناء التجهيزات التحتية وتحسين الأحوال الاجتماعية في مختلف جهات المملكة خاصة جهة الصحراء وذلك في إطار مخطط إصلاحي وتأهيلي شامل نابع من صلب الخيارات الوطنية الثابتة.
لكن هذا لن يتأتى إلا بوجود كفاءات وطنية مؤهلة مدربة ومكونة متشبعة بمبادئ المواطنة الحقة القائمة على تغليب المصالح الوطنية الكبرى على المصالح السياسوية الضيقة التي برهن رئيس جهة كلميم واد نون وأعضاء المجلس على غياب الحس الوطني المتنور النابع من الخصوصيات والثوابت الوطنية من خلال هذا النموذج الفاشل في تسيير وتدبير شؤون الجهة في وقت يعرف فيه المغرب مجموعة من التحديات الداخلية والخارجية لبناء الدولة المدنية الحديثة القوية بسيادة القانون وبالتدبير الديمقراطي الرشيد للثروة الوطنية في مختلف تجلياتها..
           -الدكتور عز الدين خمريش، أستاذ العلوم السياسية،والقانون الدولي بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء