الأربعاء 26 سبتمبر 2018
سياسة

الخدمة العسكرية الإجبارية: لمن ، كيف ولماذا ؟

الخدمة العسكرية الإجبارية: لمن ، كيف ولماذا ؟ أبو أيمن الفارح، والجنيرال عبد الفتاح الوراق المفتش العام للجيش
في سنة 1966 في ظل حالة الإستثناء التي كان يعيشها المغرب ، صدر قانون الخدمة العسكرية الإجبارية. سنة 2006 ، يتم إلغاءه بعد حوالي 40 سنة من العمل به . لم تكلف الدولة المغربية نفسها عناء إصدار تقرير حول الأسباب وكذلك الحصيلة من أجل استخلاص ما يمكن استخلاصه.
بعد 12 سنة ستجتمع الحكومة المغربية يوم 20 غشت 2018، ذكرى ثورة الملك والشعب على جدول أعمال يتضمن نقطة واحدة :إعادة العمل بنظام الخدمة العسكرية الإجبارية.
قرار من هذا القبيل وبمثل هذه الأهمية وبما له من انعكاسات على مختلف فئات الشعب المغربي ، شباب الطبقة الشعبية على الخصوص ، يفترض فتح نقاش عميق وطويل وجاد وكان يجب أن يتناوله مرشحونا و أحزابهم في برامجهم وفي مقترحاتهم وفي مقراتهم .
في فرنسا ، مثلا، شكلت الدعوة إلى العودة إلى نظام الخدمة العسكرية الإجبارية ساحة وفضاء للتنافس في طرح الأفكار وتبادل الآراء والمقترحات بخصوص الأهداف والمدة والشرائح المستهدفة وبرامج التكوين والميزانية والعلاقات بين مختلف المتدخلين و الإمكانيات المرصودة لهذا الغرض.
عندما طرح السيد ماكرون ، المرشح آنذاك ورئيس فرنسا الحالي، في برنامجه الانتخابي فكرة العودة إلى نظام التجنيد العسكري الإجباري، استحضر جل مواقف الشعب الفرنسي بما فيها المواقف الرافضة لاستعمال السلاح ، من منطلق بعض القناعات الرافضة لكل أشكال العنف ، باعتبار السلاح هو الرمز الكبير للعنف، أولا وأخيرا. لوبين اليمين كان لها موقفها ، ميلانشون اليساري ، فيون والآخرون...إنها قضية مصير، الكل أدلى بدلوه ، يحترمون أنفسهم ويحترمون شعوبهم.
هل يتم الرجوع لقانون الخدمة العسكرية الإجبارية، تبعية لفرنسا، أم لحاجة وطنية، وأين تتجلى هذه الحاجة ؟ وما هي الغاية، البرامج...؟ وهل سيتم فتح كل الأسلحة والمرافق والقطاعات في وجه المجندين أم سيتم، لدواعي أمنية، استثناء بعض المواقع والمنشآت والقطاعات ؟ ثم هل يشمل التجنيد كل حاملي الجنسية المغربية بشكل ديمقراطي في الداخل والخارج ؟ أم سيتم استنساخ قانون 1966 نصا وروحا وتطبيقا بشكل تمييزي صارخ على الفئات المستضعفة وتستمر طبقة الأعيان و"خدام الدولة" والمحميون خارج هذا القانون؟
بدون شك ، علينا استحضار كل المعطيات والأوضاع الأمنية الداخلية والإقليمية والدولية. وبطبيعة الحال، وكما نعرف جميعا " المال عصب الحرب " . من أين لك هذا، في هذا الزمن العصيب، حيث المديونية الداخلية والخارجية في أوجها والبطالة تسحق الجميع بدون شفقة ؟
أتمنى ، صادقا، ألا يكون القرار تابعا أو متسرعا مرتجلا في خضم البحث عن حلول ترقيعية لقضايا أمن المواطنين :
- الذين ضاقوا ذرعا وبدؤوا يفقدون الثقة في السياسة العمومية الحكومية التي فشلت في احتواء جحافل المشرملين والمعربدين الذين يعرضون أرواح وسلامة وممتلكات المواطنين للضرر، والخطر، في تحد للقانون والأخلاق ، ولم يعد من هامش مناورة سوى تجنيدهم وعسكرتهم وإخضاعهم لتداريب وتكوينات جسدية وفكرية ونفسية والتسلح بالأمل الكبير في إصلاحهم وتغيير مسارات العدد الكبير منهم .
- محاولة امتصاص جزئي للعاطلين الذين يقضون لياليهم وجزءا كبيرا من نهاراتهم في رأس الدرب يتلصصون أو يتخدرون ويحلمون، وعندما يبلغ الحلم أشده يتوجهون شرقا أو غربا، ينتحرون، في كل الأحوال .
عندما قرر المغرب وقف نظام الخدمة العسكرية الإجبارية سنة 2006 ، وفي غياب أي توضيح أو تفسير رسمي، تضاربت آراء المهتمين ، على قلتهم وعلتهم، أرجع البعض القرار إلى التكلفة المالية الباهظة لهذه الخدمة وعدم جدواها في بلد يعتمد على جيش نظامي محترف وبتدريب عالي بشهادة الخبراء وبالتالي لا يمثل هذا النظام أية إضافة مهنية ذات قيمة للجيش المغربي، هذا إضافة كذلك لجحافل قوات الاحتياط القادمة من كل أذرع المؤسسة العسكرية والتي تجعل هذه الأخيرة في غنى عن كل قوة احتياط أخرى ، لن تبلغ في كل الأحوال مستوى الدربة والقتالية والجاهزية المتوفرة في المتقاعدين والمسرحين لسبب أو بدون سبب والذين عاش أغلبهم أصعب الظروف في أطول حرب في التاريخ الحديث. وأرجع آخرون القرار إلى الخوف من التسلل عبر نظام التجنيد الإجباري إلى المؤسسة العسكرية من قبل أفراد وجماعات لا تكن الود للنظام السياسي القائم، وهو ما من شأنه تشكيل خطر على أمن واستقرار البلاد. وذهب آخرون إلى حدوث بعض الزيغان عن أهداف وجوهر الخدمة العسكرية الإجبارية التي تحولت إلى أداة لتصفية حسابات شخصية وسياسية ومصدر ثراء لبعض أعوان ورجال السلطة وبعض أفراد الجيش الذين يملكون سلطة قرار تجنيد الفرد أو التستر عليه وإعفاءه.
في هذا الإطار يمكن إدراج إخضاع خريجي مؤسسات التكوين المهني في نهاية الثمانينيات لعملية تجنيد إجباري وإقحامهم في مناطق عسكرية خطيرة على جبهات القتال، أثناء تشييد الحزام الأمني السادس والأخير والذي تكلل إنهاءه بإرغام جبهة البوليساريو على توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار. حيث تم تكليف المجندين ببناء جدار إسناد من الحجارة . كانت العملية بهندسة من وزير الدولة القوي آنذاك، ليكون حاضرا في كل المحطات التاريخية البارزة، في إطار مهام السيطرة وضبط كل مفاصل النظام والتسلل إلى المؤسسة العسكرية التي استعصت على ذكاء و دهاء الملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، بعد انقلابين رسميين فاشلين ومحاولات أخرى تم نسفها في مهدها ولم يعرف عنها شيء. لقد تضاعف حجم القوات المسلحة الملكية في ظرف أقل من 8 سنوات بعد الإنقلاب الأخير وأصبحت مجهزة بأحدث الأسلحة والعتاد والجراح لم تندمل بعد. لقد أصبحت وزارة الداخلية حينها لاعبا رسميا في السياسة العسكرية المغربية وأصبح وزير الدولة يعقد الاجتماعات مع كبار قادة الجيش بالعيون على وجه الخصوص بدوافع أمنية تتكلف بها وحدات الجيش والأمن بكل أذرعه / وحدات المخزن المتنقل ، القوات المساعدة .........
ماذا تغير ولماذا هذه المراجعة أو هذه العودة ؟
                                                           - أبو أيمن الفارح، مهتم بالشؤون العسكرية والأمنية