الأربعاء 19 سبتمبر 2018
مجتمع

ناهد الزيدي: التعتيم على الحقيقة يشجع نشر الإشاعات الكاذبة..!!

ناهد الزيدي: التعتيم على الحقيقة يشجع نشر الإشاعات الكاذبة..!! ناهد الزيدي، باحثة في مجال سوسيولوجيا الصورة السياسية

تشتعل شبكات التواصل الاجتماعي بشلالات من الأخبار التي تضع المتتبع في حيرة مابين تصديقها و تكذيبها في زمن أصبحت للإشاعة دور مهم . جريدة "أنفاس بريس" تحاول أن تلقي الضوء على موضوع الإشاعة من خلال حوار مع ناهد الزيدي، باحثة في مجال سوسيولوجيا الصورة السياسية، والذي تطرقت فيه لمختلف آليات انتشار ظاهرة الإشاعات الكاذبة في المغرب.

++ كيف تقرئين، من وجهة نظرك، هذا الانتشار الكاسح لظاهرة الإشاعة في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذا في الفضاءات العامة بالمغرب..!؟

- إنتاج آليات الإشاعة ينتعش في سياق اجتماعي يغيب فيه التداول الاجتماعي الطبيعي للحقائق. ثمة تلازم دائم ومكرس بين غياب الحقيقة وظهور الإشاعة.

حين يبحث المواطن عن حقيقة ما تتعلق بقضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، ثم يجد قنوات الوصول إليها مقفلة، يلجأ إلى تأويل الأمور عبر سلاح الإشاعة.

من هنا، تتنامى هذه الظاهرة وتستفحل عبر وسائط النشر في شبكة الإنترنيت. والنشر يمنح للإشاعة قوة الحقيقة. فتتحول الحقيقة إلى إشاعة. وتنقلب الإشاعة إلى حقيقة.. !!

وهنا مكمن خطورة الإشاعة على بنية التوازنات التي يجب أن تسود المجتمع وتحميه من التشظي. باعتبار أن تصحيح الإشاعة بنقيضها الحقيقة يكون أبطأ وأقل مفعولا. ذلك لأن الإشاعة تتميز بسرعة الانتشار والتصديق.. !!

++ أفهم من كلامك أن الإشاعة سلاح يتم استخدامه كرد فعل إزاء التعتيم السائد على الحقائق..!؟

- بالفعل الأمر كذلك. لتفسير ذلك يجب أن ندرك أن الإشاعة تخضع لإنتاج وإعادة إنتاج اجتماعي مطبوع بالتوتر. ذلك أن من ينتج / يطلق الإشاعة، في تداولها الأولي، ليس مؤسسة بل فرد واحد أو أفراد قلائل.

وهذا الفرد يفعل ذلك انتقاما من تغييب الحقيقة. ثم انتقادا لاذعا للمجتمع، تتأسس حمولته على تعمد تسويق وترويج صورة وهمية لخدش صورة الحقيقة.. !!

بمعنى أن من يروج للإشاعات لا يرتكب هذا الجرم اعتباطا، بل تكون له أهداف متعددة، وربما أجندات ذاتية تتوخى خلق البلبلة في المجتمع، وضرب استقراره. خاصة حين ترتبط هذه الإشاعة بقضايا كبرى ومصيرية.. !!

++ يلاحظ، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة موقع الفايس، أن منتجي الإشاعات المرتبطة بما هو سياسي واجتماعي من قبيل (إعفاء من المهام، نشر فيديوهات مفبركة، استقالة مسؤول حكومي، انتشار وباء ما..) ينتمون إلى الفئة الشابة.. كيف ترين هذا الأمر..!؟

- هذا أمر طبيعي. لأن الأجيال الشابة في المغرب تحمل الكثير من المرارة نظرا للإقصاء الممارس عليها من طرف الفاعلين السياسيين والدولة معا.

ولجوء الشباب، أو بالأحرى جنوحهم نحو تسويق الشائعات على أساس أنها حقائق، يرضي ذواتهم الساخطة على حقائق الواقع، ويعبر عن رفضهم للمسكوت عنه.

هنا يتوجب التأكيد أن إنتاج ونشر وترويج صورة متناقضة مع الواقع، وأحيانا متصادمة معه، يجسد موقفا مضمرا من رغبات وانتظارات لم تستطع الدولة، أو لم ترغب، في تلبيتها لأسباب سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.

++ هل معنى ذلك، أن من يقف وراء ترويج الإشاعات الكاذبة في المجتمع، يستهدف بذلك إرغام صناع القرار السياسي في البلاد على تنفيذ مطالب يرى أنها هامة وضرورية..!؟

- أجل. هذا بالضبط ما يمكن قراءته من خلال استكشاف كل الآليات المنتجة لظاهرة انتشار الإشاعة في المغرب.

++ أرجو تقديم إضاءات أكثر وأوضح حول هذا النقطة، من أجل استفادة أعم وأشمل

- مثلا حين تنتشر إشاعة "تؤكد" قرب إعفاء وزير أو وزراء في الحكومة الحالية من مهامهم، أو "تعلن" عن قرب إعفاء ولاة وعمال، فإن ذلك يعكس ويجسد إما رغبة فردية، أو رغبة جماعية، في إزاحة هؤلاء عن مشهد المسؤولية السياسية العمومية، باعتبار أنهم، حسب موقف منتج الإشاعة، غير صالحين للإستمرار في كراسيهم.. !!

من هنا، نفهم جيدا سر الانتشار المهول للإشاعة مقابل البطء في نشر وانتشار الحقيقة.

ثم إن التداول الواسع النطاق للإشاعات الكاذبة، يتم دوما من خلال إعادة إنتاج ذات الإشاعة عبر محمولات تكتسي طابع اليقين نظرا لغياب التأويل المنطقي لدى منتجي الإشاعات ولدى مستقبليها معا.. !!

++ ما يثير الاندهاش والاستغراب، في هذا السياق، هو سرعة تصديق المغاربة للإشاعات الكاذبة، وتفاعلهم مع محمولاتها مهما كانت مفارقة للواقع والمنطق.. رغم وقوعهم في حبائل إشاعات سابقة انطلت عليهم. فهل نحن، في رأيك، شعب لا يتعلم من الدروس..!؟

- يجب أن ندرك جيدا أن الإشاعة تحمل دوما عناصر تصديقها أو الإنفعال بها ومعها.

إنتاج الإشاعة وتسويقها يخضع لأساليب ماكرة ومخادعة في غالب الأحيان.

الإشاعة تنبني على جزء من الحقيقة وأجزاء من الوهم. لذلك حين يتلقاها الناس لا يختبرون بنيتها من خلال تأويل مجمل عناصرها. بل عبر الاكتفاء بالجزء الحقيقي.. !!

من هنا تحديدا، تنطلي الإشاعات على الناس رغم وقوعهم السابق في شرك أكاذيبها.

وهنا لا ننسى أن الناس دوما لديهم استعداد لتصديق جميع الإشاعات التي تعزف على رغباتهم الباطنية.