الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

لزرق: كيف تحول حزب الاتحاد الاشتراكي من حزب القوات الشعبية الى حزب العائلات اللاشعبية؟

لزرق: كيف تحول حزب الاتحاد   الاشتراكي من حزب القوات الشعبية الى حزب العائلات اللاشعبية؟ د. رشيد لزرق
لقد شكل التعاقد الدستوري لسنة 2011، منعطفا حاسما في تاريخ الحياة السياسية المغربية، عبر تصويت الإيجابي على دستور غير في المبنى و المعنى، و الذي افرز فوز حزب العدالة و التنمية في انتخابات 25 نونبر2011 و تعيين أمينه العام لرئاسة الحكومة، شكل رجة حسم فيها الاتحاديات والاتحاديون بالرجوع للمعارضة.هذا الرجوع يقتضي تسليم المشعل للجيل الجديد، القادر على إبداع وسائل نضالية جديدة تمكن الاتحاد من مواصلة نضاله لتحقيق التقدم و الحداثة و العدالة الاجتماعية، إلا إن عسر المرحلة جعل البعض يتخوف بمبرر انشطار الذات الاتحادية، هذا التخوف من تفعيل الديمقراطية الداخلية جعل الاختلافات تقوم على أساس شخصي مع إهمال تام للإيديولوجية و الهوية. فظهر ذلك جليا في المناظرة التلفزية التي عقدت بين المرشحين للكتابة الأولى و التي تمت على أساس تسويات قبلية بين المرشحين الأربعة، لا على النقد ذاتي للتجربة الماضية، كل مرشح حاول بناء حملته على أساس مميزاته الشخصية. فهناك من ركز على مصالح العائلات الاتحادية للرفع من رصيده الشخصي، مع استعمال الرموز التاريخية، وهناك من ركز على قوة الأعيان و حشد الفريق البرلماني الاتحادي، وهناك من روج لانتمائه الفئوي في قاع المجتمع و قدرته على التنظيم وضمان تحالفات في الانتخابات المحلية. لم يقدم أي مرشح مشروعه العملي حول طبيعة المعارضة و الأسس العلمية للالتحام بالجماهير الشعبية التي تجسد تجدد المشروع الاتحادي المرتبط بعمقه الشعبي، و القاسم المشترك بين المرشحين الأربعة يكمن في عدم القدرة على فهم الجيل الجديد بثقافته الحداثية التي تقوم على ما هو واقعي ملموس و ليس باستحضار نوستالجيا الماضي. 
 
في ظل هذا العقم المشاريعي، أضحى التنظيم شغل الجميع، و تحول الحزب من حزب طاقة إلى حزب بطاقة ، الكل يتحدث لغة القبيلة و الغنيمة في ظل إهمال للخط السياسي.وبالتالي تحول الصراع التنظيمي إلى صراع لمن يتقن دهاليزه، و قدرته على التموقع وفهم قواعد اللعبة، و لم يعد من مجال للحديث عن بناء حزب المؤسسات رغم رفع شعار " معا من أجل بناء مغرب الديمقراطية والحداثة ".إن الممارسة شابتها ثقافة ما قبل حداثية، فتميز سلوك الأغلبية بالحذر وعدم الحسم في اختيارهم، الكل أبدى هوسا بلعبة التنقل و التموقع من اجل ضمان استمراره، اعتمادا على شبكة العائلة أو وحدة المصالح، ومن تجليات ذلك أن نفس المجموعة تكون داعمة لهذا المرشح ثم تنتقل إلى مرشح آخر، والكل بات يتوجس من التسويات الأخيرة، الهاجس هو التموقع والتكهن بأنصار اليوم و مخالفي الغد. ظهر اختلاف حول نمط الاقتراع الذي يجب اعتماده ، هل الفردي او اللائحة ؟ فلم يتم الحسم حول تبني نظام الاقتراع باللائحة لتأجيل مسألة التحالفات. ثم بات اختيار الكاتب الأول عملية رهينة بالحرب التنظيمية التي تميزت بعنف مستمر بين الدورتين. 
 
كل هذا أنتج تشوهات، و بدل الحديث عن المشاريع المجتمعية من خلال المقارعة الفكرية، تحول كل الحديث عن التبعية لأشخاص معينين: (تابعين لفلان، مع فلان، أصحاب فلان). في ظل هذا الجو الموبوء، قضت التسويات الداخلية الفوقية بالتواطؤ من أجل خنق كل  مبادرات   الرامية لتجدد الاداة الحزبية،  بقتل كل المبادرات الحرة والجريئة، تقوم على الوضوح و الشجاعة و القناعة ، مع مناهضتها لكل الممارسات ما قبل حداثية، وتبني الاختيار سياسي يقوم على الوضوح و الشفافية  يتجاوز ما هو جامد. 
ان الاداة التظيمية تحكم فيها شخص، عمل على 
 تجييش كل الوسائل لقتل المبادرات السياسية و الاجتماعية المتحررةمن عقد الصراع و المتطلعة لمغرب حداثي متضامن. على عكس رغبات الزعيم و معه  محترفي التنظيم الذين لا يهتمون بالإيديولوجيات الكبرى، ولا يستوعبون فلسفة النظريات السياسية الكبرى، ولا يتطلعون للتغيير الذي يسعى إليه المثقف والمناضل. فتم توظيف جيش من الأتباع هدفهم الوحيد هو توليد الشعور باليأس و التيئيس لدى الشباب، قوتهم تتمثل في الريع السياسي مقابل الولاء والطاعة . فنهجوا أسلوب العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة ، وطبيعي ان هذا الجو الموبوء سمح لمحترفي التنظيم من التخلص من المناضلين أصحاب الرأي ، عبر رفع شعار "نحن التنظيم"، الأمر الذي أدى إلى تراجع الاهتمام بالخط السياسي أو المبادئ أو الأفكار أو المشروع السياسي والمجتمعي الذي يقتضي أن يتبناه الحزب ويدافع عنه، وبات الانشغال السائد هو الروابط و التحالفات و توسيع العلاقات للحفاظ على الامتيازات، أو تحقيق مكاسب مادية و معنوية جديدة لنفسها وأحيانا لأتباعها، و البحث الدؤوب عن استقطاب الأعيان لربح ، مع تصوير ذلك كانبعاث للاتحاد الاشتراكي، و إن كان بمكانيزمات طالما حاربتها الحركة الاتحادية،.فالتغيير الديمقراطي و ترسيخ الحداثة لن يحدث دون البدء بمراجعة ما حدث لأن التغيير البناء يجب أن يعيد للمغاربة كرامتهم عبر تطهير الذات و محاربة الفساد بكسر شوكته.
 
إن تحول حزب القوات الشعبية من فضيلة صراع الأفكار و التقدم و التغيير إلى رذيلة الهوس بعدد المنخرطين و استقطاب التابعيين الذين تقتصر معرفتهم للحزب على الاسم و بعض المعلومات البسيطة التي تكون خاطئة في أغلب الأحيان، هذا التشوه الخلقي للتنظيم كرس ثقافة الأقدمية عوض الفعالية و بروز مقولات من قبل "ولد الاتحاد تدرج في المسالك التنظيمية"، من دون الإحالة لمدى إدراكه للمشروع الاتحادي، و أضحى الحزب" مجرد مظلة يستظل بها من أجل قضاء أغراضه الشخصية". كما أن تغلغل هذه الممارسات في البنية الحزبية فاقم تحكم عائلي،فيكفي النظر للأسماء التي افرزها  المتحكمةفي التظيم،  ليظهر جليا هيمنة قوى عائلية على جميع الأجهزة التقريرية بل حتى أن عملية اندماج الحزب الاشتراكي والحزب العمالي داخل الاتحاد تم توصيفها بتجميع "العائلة الاتحادية" عوض "الحركة الاتحادية " و هي تسمية مناقضة لإيديولوجية الحزب و شعار الحداثة التي تنتصر للتعاقد و "ليس روابط الدم".
 
إن الاتحاد كحاجة مجتمعية لمواجهة استبداد و فساد التدين السياسي يحتم التحيين و التجدد والمكاشفة لمسايرة الزمن الدستوري الذي أسس للديمقراطية التشاركية وحقوق الأقلية، هذا التحول يفرض خلخلة المدارك القديمة و التخلص من الوهم وعقدة المؤامرة. عبر طرح رؤية واضحة ومحددة للتغيير الحداثي في المغرب، بجعل الاتحاد حاملا لتطلعات ، القوات الشعبية  ومن دونه ستظل الطبقات الشعبية محاصرة بين نزعة وصولية ذات رؤية ضيقة ونزعة خرافية باهتة ونزعة ظلامية ونزعة عدمية، والقواسم المشتركة بين هذه النزعات هي افتقادها روح الإبداع إزاء المشاكل الداخلية والتغييرات العالمية.