الجمعة 16 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

سعيد جعفر: ما فهمته من خطاب العرش..

سعيد جعفر: ما فهمته من خطاب العرش.. سعيد جعفر
ملاحظة:
هذا مقال تحليلي ينضبط لعناصر التحليل العلمي السيميولوجية كما نجدها عند "بيرسي" (ثنائية التقليد/الحداثة)، ويحاول احترام مربع رومان جاكبسون
..
وبشكل ما هو لا يطرح وجهة نظر شخصية في الخطاب، كما لا يجيب عن أماني بعض الأفراد..
أعدت قراءة الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش مرات كثيرة لفهمه جيدا وتفادي الوقوف عند عتبة الارتسامات.
وكأي خطاب سياسي يقرأ خطاب اليوم من مستوييه المعهودين الشكلي والمضموني.
يمثل الشكل عادة القناة المباشرة والظاهرة لتصريف رسائل مباشرة و بسيطة وربما ملحة.
الرسالة الأولى التي يحملها الشكل إذن أن "الملك الشخص" يغشى عوالم الحداثة ويعيش منافعها وملذاتها وممكناتها ويتحرك بإيقاعها و شروطها و لا يقاومها أو يمانعها.
وبشكل ما يظهر أن "الملك الشخص" "ينحت" في بنية البروتوكول التاريخية والضاغطة في نفس الوقت.
يتمظهر هذا "التحرر" الشخصي للملك من موروث دار الملك في عناصر الفضاء العام للخطاب، أي كرسي جلوس الملك والمكتب ولباس الملك وولي العهد والأمير مولاي رشيد والتاج و العلم الوطني وتوظيف الآيات القرآنية في بداية ونهاية الخطاب.
والظاهر أن "البلاطو"  يقرب كثيرا من البلاطوهات التي يخاطب منها رؤساء الدول الأوربية ولا سيما فرنسا وإنجلترا واسبانيا شعوبهم.
فمكان وفضاء الخطاب أصبح "مزيجا" بين سلطة التاريخ وسلطة الحاضر.
وفي هذا الصدد يلاحظ توجه مصلحة البروتوكول الملكي إلى "تغذية" هذا "التجاور" بين سلطة التاريخ وسلطة الحاضر في تأثيت فضاء الخطاب بمكتب عصري عوض تدريجيا المكتب الأقرب للسلطاني الإعتيادي الذي كان يستخدمه الراحل الحسن الثاني في خطبه.
المكتب الجديد ينخرط بشكل ما في الفلسفة السيميائية العامة التي تكمل الفلسفة العامة للحكم منذ حوالي 15 سنة.
فالملك الشخص الذي يبدو أنه  يتحرر في حدود من ضوابط مؤسسة الملك بكل ثقلها التاريخي والبروتوكولي، يتحرك بدون شك، وفي كثير من المرات، في تماس مع البروتوكول التقليدي الصارم و يحدث أن يعود إليه بتكثيف رمزي دال.
وهو ما يؤكده اللباس العصري للملك وولي العهد والأمير مولاي رشيد الذي يعكس هذا التجاور بين سلطة التاريخ وسلطة الحاضر و استمرار "عقيدة الحداثة والتقليدانية" كعقيدة مركزية في فلسفة الحكم.
مظاهر السيادة ممثلة في شعار المملكة المغربية و العلم الوطني يؤكد ضغط العقيدة و يعكس الحضور العصري أسلوب الملك في التحرر من ضغط البروتوكول.
بخصوص المضمون،
فهمت أن الملك تحدث كرئيس دولة أكثر ومن داخل الفصل 42 من الدستور، وأن مهمته الرئيسية في حماية سيادة الدولة واستقرارها وأمنها كانت هي الخيط الناظم للخطاب ككل.
ويظهر لي بشكل ما أن الملك كان يتحرك كمسؤول على "دولة حارسة وحامية" أكثر من دولة "رعاية اجتماعية".
القبض على هذا  الخيط الناظم للخطاب يسمح بتحليل للخطاب من ثلاث مستويات:
مستوى أول أقترح تسميته ب" العقيدة الصلبة للدولة"، ومستوى ثان أسميه " الرعاية الإجتماعية"، ومستوى ثالث أسميه " التوجيهات".
1- مستوى العقيدة الصلبة للدولة:
عندما توجه الملك للحسيمة و ثبوت إلقاء خطاب العرش من مدينة الحسيمة، ارتفع حجم الأماني بأن خطاب الملك سيكون خطاب الملك الشخص أو الإنسان.
ورغم أن مسألة العفو كانت مستبعدة لأسباب قانونية محضة بحكم أن مسطرة العفو تبدأ بعد اكتمال دورة التقاضي إلا أن "توطين" الخطاب من مركز الحسيمة أغرى بمزيد من التفاؤل في الموضوع.
ويظهر أن الخطاب الملكي لم يكن خطاب شخص أو إنسان بقدر ما كان خطاب "دولة" متسلحة بوقائع ومعطيات عملية.
ويمكن أن نفهم ضمنيا أن إلقاء الخطاب من الحسيمة بالضبط و الحرص على التنبيه لمخاطر التفرقة و الإنقسام والخطابات العدمية و الجياشة، ثم المرور إلى برنامج عمل اجتماعي يهم "السجل الاجتماعي" و "تدبير أزمة الماء" و "تسريع الحوار الإجتماعي" يكشف أن الخطاب يزكي عمل أجهزة الدولة الأمنية والقضائية.
وبشكل ما فالملك ينضبط لمضمون التقارير والتحقيقات الأمنية التي مهدت للأحكام القضائية، وفي العادة فرؤساء الدول، وبغض النظر عن مسألة فصل السلط واحترام مقررات القضاء، ينضبطون بشكل حرفي للتقارير الأمنية و عمل القضاء في حالة الأزمات العامة التي تمس السيادة الوطنية عادة.
و يمكن التذكير هنا بتصلب الحكومة الفرنسية في رفض السراح المؤقت لعدد من الشبان الكورسيكيين في بداية التسعينيات لثبوت قضائهم عطلة متوسطة كضيوف لدى منظمة إيتا الباسكية التي ستحل لاحقا.
ورغم أني كنت شخصيا أنتظر على الأقل "إشارة سياسية" في هذا الموضوع، إلا أن تركيز الخطاب على الوطنية والوحدة والإستقرار ربما أوحى إلي أن الدولة المغربية وأجهزتها تملك معطيات على أن نشاط مخططات الأوراسيا المفتوحة والشرق الأوسط الجديدة و الفوضى الخلاقة لم تنته بعد رغم ظاهر توجهات الإدارة الأمريكية منذ انتخاب السيد دونالد ترامب.
وبشكل واضح يظهر أن الخطاب يعبر عن الماهية الأصلية للدولة كدولة حارسة وحامية، وقد يوحي توزيع هذا " التخوف" من خطابات الإنفصال والعدمية وغيرها "استباقا" رسميا من الدولة لتحولات او أحداث قادمة تحتاج التعبئة الشعبية من الآن.
ثمة معادلة معروفة في الحسابات الجيوبوليتية للقوى العظمى طرفاها هندسة المخططات وتوفير الدعم المالي داخليا، وإعداد وكلاء مباشرين وغير مباشرين لتصريفها في الخارج.
ويوفر كتاب بريجنسكي "قطعة الشطرنج" تفصيلا دقيقا لإحداثيات هذه المعادلة، ويوفر أمثلة كثيرة حول أشكال وكيفيات صناعة الرأي العام داخل الدول المستهدفة بمخططات "التحريك الداخلي" بما في ذلك داخل الإتحاد السوفياتي ولاحقا داخل أوكرانيا ودول القوقاز بل وحتى داخل فرنسا نفسها.
يمكن الإستئناس هنا بالتقاطب الذي حصل في محيط الرئيس يلتسين حول أوكرانيا وجزيرة القرم وحول العلاقة مع أوروبا والذي سينسحب على نقاشات الدوما ثم على المشهد الحزبي ثم الرأي العام مما سيضعف جبهة الرئيس و بعد ذلك الجبهة الداخلية و الاتحاد السوفياتي في النهاية.
وكان من نتائج هذا التحريك الداخلي أن نجحت امريكا لاحقا في "قضم" تحالفات روسيا الخارجية مع رابطة الدول المستقلة ومع الصين ودول البلقان والبلطيق والدول الاسلامية المجاورة في القوقاز.
وبقراءة مورفولوجية للبعدين الظاهري و العميق في نص الخطاب نكتشف هذه الثنائية، فالوحدة الوطنية مهددة ولا يجب الإنسياق وراء الخطاب العدمية، وأن الوطنيين الأحرار لا تؤثر فيهم محطات ظرفية.
ولأن تهديد الوحدة الترابية للمملكة هو قائم منذ عقود فإن التأكيد على الأمر في الخطاب و ربطه بالخطاب في الداخل ومن عمق مدينة الحسيمة معقل الحراك يعني أن الدولة تملك أو تتوقع معادلة فوق قطرية ولهذا تحرك الملك كرئيس للدولة من داخل الفصل 42 من الدستور ولم يتحرك من داخل الفصل 58 الذي يقترب من "الملك الشخص والإنسان".
ربما لهذه المعطيات تحرك الملك من داخل الفصل 42 وليس 58 مثلا، ولهذا كان الخطاب خطاب دولة حارسة وليس دولة حماية اجتماعية رغم ما سنقف عنده من إجراءات حماية اجتماعية في المستوى الثاني من هذه القراءة المورفولوجية.
2- مستوى "الرعاية الإجتماعية":
نص الخطاب على ثلاث إجراءات اجتماعية هي "السجل الإجتماعي" و " التزويد بالماء" و " تحريك الحوار الاجتماعي".
ويلاحظ أن موقع هذه الاجراءات الثلاث توسط فقرات موضوع تهديد الوحدة والاستقرار و رفض الخطابات العدمية بشكل يوحي أن هذا التضمين كان موعى به ومقصودا. فعادة الخطب الملكية أنها تلجأ إلى التناصات لكنها في هادين الموضوعين حرصت على المزج و التضمين بين الفقرات.
وفهمي أن هذا التضمين بين التحذير السياسي و الإجراء الاجتماعي يسعى إلى هدفين متوازيين، التفاعل مع المتضررين المباشرين من نقص المياه و ضعف شروط التمدرس والتطبيب و ضعف الأجور و القدرة الشرائية و عزل الجهات التي توظف هذه الظروف لتأزيم الاستقرار والوحدة كما جاء في الخطاب.
و لا بد من التنبيه هنا إلى أن خلاصات تقرير بنك المغرب حول نتائج صندوق المقاصة وخلاصات المجلس الاقتصادي والإجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للتعليم حول الصحة والتعليم كانت حاضرة في اعتماد "السجل الإجتماعي" ، وبدون شك هناك راي يذهب إلى أن هذا السجل هو آخر خطوة في الخطة الجديدة لصندوق المقاصة.
وبدون شك فالدعوة لاستكمال الحوار الاجتماعي هي دعوة في العمق للتخفيف من احتمالات توسع الخطاب العدمي وتأثيره على الاستقرار.
3- التوجيهات:
يلاحظ أن الخطاب غير لهجته من الأحزاب ومن الحكومة ووجهها إلى الانسجام أكثر واعتماد الشباب.
فهمي أن الملك مرتاح لحالة الهدوء والحوار التي تطبع المشهد السياسي اليوم، ومرتاح للتعاون الحاصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ومرتاح لأدوار الغرفة الأولى في الديبلوماسية الخارجية.
وتقديري أن اللهجة الجديدة من الأحزاب والحكومة تعود لتغير الوضع السياسي عما كان عليه من تقاطب وعنف لفظي وسجالات لا تنتهي بين الأغلبية والمعارضة.
في موضوع تشبيب الأحزاب سيكون مقالنا القادم.
وبشكل عام فنص الخطاب لا يستجيب لكل العناصر السيميولوجية لطبيعته كنص ad hoc وأيضا لعدم استقرار متلقيه وتنوعهم، ومع ذلك، وبالإضافة للبعدين الشكلي والعميق أو غير المنطوق اللذان وقفنا عندهما مطولا، نحد تشاكلا محتشما من خلال التكرار الواعي للإستهلال( تهدد الوحدة الترابية)، كما أن التقابلات وافرة في النص بين الوحدة والتهديد، الخطابات العدمية والوطنيين الأحرار، الجهود والمنجزات وحالات النقص، جهود الحكومة والاحزاب ونقص الانسجام والتشبيب...
ورغم ان النص لا يتضمن أيقونية واضحة فهو يختزن تنقلا ممكنا من التقرير إلى الدلالة، وبإمكان القارئ أن يتوقف عند حضور كبير لهم تسخير السطحي للعميق.
وبشكل ما لمن يحمل هم تتبع وتفكيك خطابات رئيس الدولة منذ قمة مجلس التعاون الخليجي وقمة الاتحاد الإفريقي أنه يغلب عليها توجه نقدي للتوجهات الدولية وتستبق مخاطر سياسية وترابية وجيوبوليتية محتملة.
وهذا الخطاب يعتبر امتدادا لهذه التنبيهات والتحذيرات لكنه غير من أسلوبه و كلماته لأنه يتوجه للمغاربة ولا بد من مراعاة ما يجب قوله صراحة وما يجب عدم قوله كليا او على الاقل لا يجب قوله دون وصول شرط قوله.