الأربعاء 26 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

المنوزي: في الحاجة إلى قيادة فكرية بدل ضباط في السياسة 

المنوزي: في الحاجة إلى قيادة فكرية بدل ضباط في السياسة  مصطفى المنوزي

عاد بنا الخطاب الإعلامي المشحون بردة فعل سياسوية، تتعمد تناسي التاريخ ودروسه، وتعود جميع التيارات المحافظة السلفية والأصولية إلى رفع سيف، نحثث عليه عبارة "عود على بدء، إن عدتم عدنا"، ولا يسعنا إلا نرحب بأي نقاش منتج وخالص من أي ترهيب أو ترغيب، ونستلهم من تجربتنا المتواضعة، أكثر من أربعين سنة من المغامرة والتجريبية والإنتظارية، يعود هذا الماضي بشكل هستيري لكي يشوش على الآفاق والتأمل فيها، لذا فإن أجود نقاش، وربما أصدقه، الذي يقع على مسافة كبيرة جدا مع المواعيد الانتخابية والمحطات الحزبية، فلنستغل الفرصة ونطرح سؤال مركزي: من أجل تفعيل مشاريعها المجتمعية، حاجة الوطن للأحزاب الدمقراطية؟ حاجة المجتمع إليها؟ حاجة الدولة لها؟ حاجة الأحزاب الدمقراطية للدولة؟ للمجتمع؟ هل يغني التعاقد مع الملك عن الباقي؟

وتأتي أهمية هاته الأسئلة إثر كل كبوة مبتذلة وعبثية، فعلى هامش بعض تداعيات الحركية الاجتماعية كنت أعتقد أن الغيورين على الوطن الديموقراطي سيمارسون قانون نفي النفي، لكن يبدو أن هناك مخططا من مظاهره تركيز بعض الأقلام والتصريحات على فقاعة "الدكاكين السياسية"، تروم تبخيس العمل الحزبي مقابل نشدان وساطة المؤسسة الملكية أو تحكيمها لا فرق، وعلى الخصوص المرتبط بهيئات سياسية منحدرة من الحركة الوطنية، بهدف إبراز بدائل سياسية لا تعترف بالتنظيم والإنضباط والدمقراطية التمثيلية الوسيطة، وذكرني بما جرى في بداية السبعينيات، عندما رفع شعار "لا رب ولا سيد"، والذي تبنته تيارات شبابية تغترف بعضا من مبادئها من نظرية وثقافة الشيوعية الجذرية والإشتراكية الفوضوية، وإن كان الفرق شاسعا بين تلك التجربة وبين ما يجري حاليا، لكون سياق اليوم يتغذى من ثقافة انتهازية يمينية محافظة، تؤسس لنظرية "كم من حاجة قضيناها بتركها"، لا تعترف سوى بالعالم الأخروي، فأما الحياة الدنيا فمجرد "لهو وعبث". ليبقى وجه التشابه والإشتباه هما عودة الإيديولوجيا بقوة، مؤطرة بالفكر الأسطوري والأريسطي معا، تروم بناء سلام "عادل" بين الأصوليات، تقدس الإقتصاد السياسي المفعم بتجارة الخرافة والدين، تحت يافطة وديماغوجيا تبجيل قيم الحرية، حرية تنقل البضاعة والخدمات والمبادرات وحرية تملك و احتكار، سلطتي المال والإستغلال؛ مع الحفاظ على الطابع الإحساني / الخيري للمسؤولية الإجتماعية؛ ليتأكد إذن، بنسبية ما طبعا، على أن القائمين ومهندسي إنقاذ وتجديد المنظومة الرأسمالية يراهنون على استئصال كل ما له علاقة بالذاكرة الكفاحية والتحررية، المناهضة للإستعمار، أو ما له علاقة بالنضال الشبابي العالمي، أو الحركة العمالية والثورات الثقافية، وهذا يتجلى في تمثل بعض "الرواد" و "الزعماء" لمنطق "لا رب ولا سيد" ولكن بنفحة تستهدف أركان التفكير النقدي وسيادة العقل والعقلانية، بذريعة وعلة أن كل ما هو جمعي كلياني وشمولي، حيث تتماهى مشاعة الحرية مع شيوعية التحرر من الضوابط، ليكون معيار الأخلاق هو الأساس، بمعنى أن الفساد هو علة الإستبداد وليس العكس، هذا الفساد الذي يحتاج فقط إلى حراك وقتي لتصحيح الأمور، يحتاج إلى تخليق وعصيان سلمي، إلى قوة ناعمة تغلف عنفا لفظيا وقتلا رمزيا بطيئا لقيم التنوير والتغيير، بدل تبني استراتيجيا الصراع الاجتماعي والسياسي والقانوني، الكفيل، فريدا، بتقويم الدولة دمقراطيا.

من هنا فالقضاء على الاستبداد لا يعني في نظر المتمردين، في عصرنا، سوى هد أركان الرأسمالية المتوحشة، بكفاية مناهضة الريع والفساد، دون المساس بالجوهر، وحتى و لو شاءت الأقدار بثورة على الوضع، فلن يحصل سوى انقلاب على الأشخاص دون النظام، وذلك باستيراد "دمقراطية" الخارج والخوارج، دمقراطية لا علاقة لها بخيارات الحركة التقدمية المغربية، المستهدفة، ليس فقط في مشروعها الدمقراطي ولكن بالأساس في دمقراطية نضالها الاستراتيجي الذي يراد أن يختزل في الوكالة الانتخابية المأسوف على مصيرها أيضا، لأن الدمقراطية الليبرالية / البورجوازية، وعلى علتها ومحدودية وقعها الحقوقي، ينبغي أن يكون لها نساؤها ورجالها متشبعين بالوطنية والمواطنة، وإرادة التحرر من العولمة المتوحشة المغذية الفكر الوهابي والإخواني والشيعي حتى، فما هي إمكانيات استدراك الموقف والزمن بتجديد التصورات والخيارات بأفق تقدمي ودمقراطي، لقد ولى زمن التضامن ورصد الانتهاكات، زمن كفى المؤمنين بالتغيير شر النضال. و بعيدا عن منطق عدالة المهيمنين اقتصاديا والمسيطرين سياسيا، علينا محاولة بسط.

قصة هيبة الدولة على محك التقييم والتقويم، فالهيبة دائما نسبية جدا، فالوطنيون تنازلوا عن اولوية الاستقلال الشكلي مقابل عودة رمز السيادة في شخص الملك الذي كان سلطانا؛ ولأن التاريخ الوطني مجرد تسويات؛ على الجميع عدم الإغترار بالتعاقدات القديمة، التي كانت تفرز شرعيات معينة، وانفكر في كيفية تفعيل كل الإلتزامات والضمانات القانونية والتعاقدية التي دسترت ضمن وثيقة فاتح يوليوز، على حالتها أو علتها، ونطرح سؤال يبدو إنه شبه وجودي: ألم يحن الوقت لإبرام بعض التنازلات التبادلية الإيجابية من قبيل رد الإعتبار للعمل الحزبي المستقل والمنتج لإرهاصات البناء الدمقراطي المؤجل منذئذ؟ ولنبدأ من مصالحات بينية داخل الصف التقدمي وأيضا داخل مربع التحالف الطبقي الحاكم.