الاثنين 24 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

محمد المرابط:أحكام معتقلي قادة حراك الريف، و"استقلالية" النيابة العامة

محمد المرابط:أحكام معتقلي قادة حراك الريف، و"استقلالية" النيابة العامة محمد المرابط
عقب صدور الأحكام على معتقلي القادة السياسيين لحراك الريف،خرج رئيس النيابة العامة الأستاذ محمد عبد النبوي،لتبرير هذه الأحكام.كان في ذلك ضيفا على المجموعة الإعلامية ل"الأحداث المغربية" و"ميد راديو"،ثم على القناة الأولى .
ومع أهمية السياسة التواصلية لرئيس النيابة العامة ورهان قطوف ثمارها  مستقبلا،فإن سياق خرجته الإعلامية المكثفة في مدتها الزمنية وحمولتها القانونية ومجال انتشارها،وهي تنضاف للحديث الرسمي عن تقدم إنجاز مشاريع منارة المتوسط،وإعادة تعميم ما اجترحه ناصر الزفزافي من عنف الخطاب تجاه المؤسسات،يبين أن هذه الخرجة بانكفائها على البعد القانوني دون فقه السياق، ،والحال أن هناك إجماعا من طرف جميع الفاعلين على قسوتها،جعلت الأستاذ عبد النبوي يتخطى المتاح قوله،لينازع الناس حتى في أحاسيسهم من هذه القسوة.
"الأحداث المغربية"،اختارت في نشرها لهذا الحوار العنوان التالي على لسان رئيس النيابة العامة":"القضاء انتصر للنيابة العامة في أحكام الحسيمة"،مما يعني أن النيابة العامة مارست إكراهها على مسار المحاكمة لتصادر على مطلوبها.وهذا وحده كاف للدلالة على غياب العدالة في هذه المحاكمة وذلك بتبعية القضاء للنيابة العامة.وهذا أمر يمكن أن تستفيض في بيانه هيأة الدفاع لتكريس العدالة من منطلق ضمان قدر من الانسياب المتوازن بين الدفاع والنيابة العامة لبلورة القناعة القضائية،في أجواء سليمة. 
كما يستوقنا قوله ،وهو "ضيف الأولى" :إذا كانت عقوبة التهمة التي أدين بها شخص ما،هي الإعدام وأدين بعشرين سنة،ونقول بأنه حكم قاس فهذا عبث،لأنه لم يعد للقاضي مجال أكثر لتطبيق ظروف التخفيف".وهو في هذا الجانب سار على منوال محامي الدولة الأستاذ محمد الحسني كروط.فبقدر ما أظهر مقام محامي الدولة أنه لا فرق بين الأستاذ محمد زيان وهو يرافع ضد الزعيم النقابي محمد نوبير الأموي،والأستاذ كروط وهو يرافع ضد معتقلي الحراك،فقط الأستاذ طبيح ببعض لباقته منحنا الإحساس أن المغرب يتطور،لما قال:"لم تكن الدولة في خصومة مع أحد عند صدور أحكام أحداث الحسيمة"،وأنها "لم تطالب بأية عقوبة وضد أي متهم"،فإن المخزن ب"جينات الاستبداد" فيه،كان في خصومة مع ما اعتبرته النيابة العامة "جينات التمرد" لدى المعتقلين.لذلك تبقى النيابة العامة واحدة بين عهدين،مفصولة عن نبض المجتمع.
لن أقف عند كلمة "العبث"،التي استعملها فاعلون حول سير المحاكمة،فازعجت ودادية القضاة والنيابة العامة،فاستعملها الأستاذ عبد النبوي في الاتجاه المعاكس.لكن سأثير الانتباه إلى أن الإشكال ليس في تخفيف الأحكام ،على أرضية تكييفات مشددة.بل الإشكال في أصل التكييفات،أنها لم تكن مطابقة للمنسوب من الأفعال.وقد سبق أن طالبت على ضوء خطاب عرش السنة الماضية بمراجعة صكوك الاتهام.ففي تقديري أنه كان ينبغي متابعة قيادة الحراك،بجنح وليس بجنايات.ومن ثم لم تكن المحاكمة عادلة من هذا المنظور.
أنا على وعي بأن الانتقال بالحراك من الشارع إلى المسجد،وممارسة الحسبة العامة،والمساس بمرجعية إمارة المؤمنين،ومحاولة استدراج صاحب الأمر لبؤرة صراع،هو خارج عنه،لها مخاطر على النظام العام،لكنها تبقى ابتداء في إطار عنف الخطاب،تتحمل المسؤولية في ذلك حتى الجهات المعنية في تضارب حساباتها البينية التي جعلت من معتقلي الحراك مجرد أرانب سباق في لعبة أكبر منهم،فاصبحت الأحكام تتجاوز أصحابها لتمس أهل الريف.وهنا وجه الخطورة.
غير أنه لا بأس من وضع هذا المستوى من التحليل،ضمن دائرة أوسع.فقد حاول "لوي ألتوسير" في كتابه "مواقف"،تقديم أطروحة لتطوير النظرية الماركسية حول الدولة.حيث اعتبر أنه توجد أجهزة إديولوجية للدولة،إلى جانب جهازها القمعي.لكن وهو يعتبر "القضاء"من الأجهزة الإديولوجية للدولة،اعتبر"القانون"ينتمي في نفس الآن للجهاز القمعي للدولة ولنظام أجهزتها الإديولوجية .
من هنا نلتفت لعهد "الحكومة الملتحية"،فقد تم منح الحصانة للعسكريين،وإنشاء مركز الأبحاث القضائية،فكان من نتائجة إعمال أسلوب محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة مع الاحتجاجات الاجتماعية،وتم إحداث رئاسة النيابة العامة،للتحرر من شبهة التبعية السياسية،للسقوط في شبهة التبعية الأمنية.مما يبين أن المخزن في عهد الحكومة الملتحية قد قوى من أجهزة الإكراه لمواجهة كل احتمالات الاحتقان الاجتماعي والسياسي.
وبالرغم من تعبير رئيس النيابة العامة عن تبعيته في باب ربط المسؤولية بالمحاسبة،للمجلس الأعلى للسلطة القضائية،فإن دورياته،ومنها الأخيرة حول محاربة العنف ضد النساء،تحمل في أعلاها"المملكة المغربية-رئاسة النيابة العامة"،بدون استحضار مرجعية "المجلس الأعلى للسلطة القضائية"،على هذا النحو:"المملكة المغربية-المجلس الأعلى للسلطة القضائية-رئاسة النيابة العامة".وهذا يعبر عن إرادة تهريب النيابة العامة خارج منطق المنظومة القضائية للبلاد،لخدمة خيارات مغايرة لمنطق الدولة الوطنية الديموقراطية.وهنا ننبه من منزلق السقوط في فخاخ الدولة "البوليسية".