الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

محمد المرابط:حراك الريف يؤشر على السكتة الدماغية التي تهدد البلاد!

محمد المرابط:حراك الريف يؤشر على السكتة الدماغية التي تهدد البلاد! محمد المرابط
قد أكون متأثرا في هذا العنوان، بما حذر منه المرحوم الحسن الثاني من السكتة القلبية التي تهددت البلاد في أواخر عهده،كحصيلة طبيعية لسياسة سنوات الرصاص.لكن اليوم أمام بيات الزمن السياسي في قاعة الانتظار،وقد تم هدر عنفوان الإصلاح،من خلال إقبار المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي في العهد الجديد،بفعل الخروج عن المنهجية الديمقراطية، ووقوف صاحب الأمر بنفسه، على فشل النموذج التنموي،وتوقف الإصلاح الديني عند عتبة خدمة مخطط الانقلاب الوهابي الإخواني على التحملات الحقيقية لمرجعية إمارة أمير المؤمنين،وتوقف الإصلاح السياسي عند عتبة خدمة تحالف الاستبداد والاستغلال المخزني-الأصولي، وانزلاق التعاطي الأمني مع الحريات العامة إلى خدمة المنطق العسكري،بل والتعاطي مع الاحتجاجات الاجتماعية بأسلوب مواجهة الإرهاب(حسب رأي الأستاذ الساسي)، أو بأسلوب مواجهة الإجرام المنظم، وتبعية التقدير السياسي في الشأن المدني للتقدير الأمني،وتبعية هذا الأخير للتقدير العسكري.كل هذا أصبح يهدد الاختيار الديمقراطي المؤصل دستوريا،لدرجة نحس معها بضرورة أن ينهض خطاب العرش المقبل بطمأنة المغاربة على سلامة بوصلة سيرنا الجماعي.الكل الآن في هذا الانتظار،يعلق الآمال على شعارات حراك الريف، التي تبناها صاحب الأمر،في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
ونتمنى عودة الروح لقواعد السياسة في تدبير الشأن العام.لا أحد يقبل أن ترهن البلاد بكل رصيدها المؤسساتي لفكرة "المهدي المنتظر"،كـ"الخلاص"الذي تتبعناه على يد صاحب كنز سرغينة.
الكل يخشى من مارد المجهول،لما نترك اليأس يستبد بالمغاربة.
لذلك تكبر المراهنة على حكماء وعقلاء الأمة في صف المجتمع والدولة.
من كليات هذا القول/التمهيد، سأقف على تفصيل سياسي صغير،لكنه دال في باب الكليات السياسية،خصوصا إذا وضعناه على محك توجيهات صاحب الأمر الأخيرة لوزير الداخلية،بشأن رجال السلطة.فقد أقدمت سلطات الحسيمة على منع وقفة احتجاجية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، ومنتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب بالحسيمة يوم الجمعة 22 يونيه2018.
وتأتي وقفة المنتدى والجمعية،"من أجل الإفراج عن معتقلي حراك الريف ووضع حد للأزمة المستفحلة بالمنطقة"،في سياق برنامج نضالي مشترك لتنسيقيات وفروع هذين الإطارين الحقوقيين بإقليم الحسيمة .فقد تم منع هذه الوقفة "لدواعي أمنية"،حسب جواب باشا المدينة.وسأكتفي في مقام رصد تفاعلات المنع،بعنوان مادة للرفيق علي بلمزيان:"السلطات بالحسيمة تكرس حالة الطوارىء بقرارها منع وقفة الحركة الحقوقية"،لأنعطف في التحليل وفق منطق التمهيد.
استوقفني في تعليل السلطة،أن المنع يستند إلى دواع أمنية.والنظر إلى هذه الدواعي،والحراك على أبواب إقفال مدار السنتين،يبين فشل "المقاربة الأمنية" في إعادة الحياة السياسية والفكرية والحقوقية،بالحسيمة إلى طبيعتها،حيث يصعب في ظل هذه الدواعي الأمنية تحقيق مراهنتنا على وصل صاحب الأمر لمقامه الصيفي بالحسيمة.شخصيا راهنت كثيرا على هذه الزيارة،لاعتبارات عديدة،لكن يظهر أن حتى المسلك الترابي إلى شاطىء بوسكور ما زال مهملا،مما يرجح استبعاد هذه الزيارة،ومن ثم استمرار حالة الأزمة والاحتقان في إقليم الحسيمة، خصوصا مع تكهنات قرب صدور الأحكام على معتقلي عكاشة.
لقد سبق لي أن استبشرت خيرا لما تمت الوقفة الاحتجاجية التي دعت إليها الجمعية والمنتدى في الحسيمة، بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان في دجنبر2017،وحضرتها عائلات المعتقلين،وتناولت فيها الكلمة.لكن سرعان ما تبخر الرهان على انفتاح السلطات،لما أشهرت سيف المنع في حق المنتدى بشان تنظيم ندوة حول "الحراك وسؤال الديمقراطية وحقوق الإنسان"بالحسيمة.كما استبشرت خيرا وأنا أتابع معطلي الحسيمة في طقسهم الاحتفالي التضامني مع الحراك ومعتقليه،في فاتح ماي 2018.حيث اعتبرت تظاهرة فاتح ماي بالحسيمة مدخلا للتطبيع التدريجي مع الحريات العامة،لكن يبدو أننا نحسن الظن كثيرا بالاستبداد المخزني.
كان من المفترض على السلطات أن تتعاطى مع الوضع المتأزم في إقليم الحسيمة ببيداغوجية هادفة باحتواء طاقته السلبية من خلال الترخيص للوقفات الاحتجاجية ،واستثمار طاقته الإيجابية للفاعلين(رب ضارة نافعة) من خلال الترخيص للملتقيات الفكرية،للوقوف على مبادرات المجتمع لتجاوز الوضع القائم.لكن ما حصل ويحصل ،بفعل احتكار ملف الحراك مركزيا،يجعل السلطات تعيش حالة القطيعة مع القوى الحية للمجتمع،في حين تتولى وزارة الداخلية،وملف الحراك يتجاوزها،مجرد توفير الحماية لعناصرها.
لقد أفسد هذا المنع ومن قبله اعتقال الوافي قجوع المعروف بـ"ريفي دومار"-على خلفية بضع تدوينات بالفرنسية في بلجيكا تندرج في إطار البوليميك مع خصومه الجمهوريين هناك-إمكانية تهيئة المناخ المناسب لصيف واعد في الريف.ويبقى المستفيد الوحيد من هذه القبضة العسكرية،هم جمهوريو الحراك بأوروبا.وعليه تكون العقلية المخزنية بتعنتها تصنع العدمية وتغذيها.لذلك لم يبق لنا إلا أن نستغيث:وامحمداه!