الأحد 23 سبتمبر 2018
منبر أنفاس

بوعزة كريم :النقد الذاتي.. الثقة و التعاون أسس مهمة لتقدم الدولة

بوعزة كريم :النقد الذاتي.. الثقة و التعاون أسس مهمة لتقدم الدولة بوعزة كريم
لا يختلف اثنان على أن الدولة ليست مجرد سلطة وإنما هي كيان ومؤسسة كبيرة جدا تضم مؤسسات فرعية اقتصادية وأمنية واجتماعية وثقافية ورياضية...تقوم على عناصر حددها الفقيه الدستوري Andrée Hauriou في كتابه « Droit Constitutionnelle et les Institutions Politiques » في أربعة عناصر وهي :الأمة "la Nation"، الحدود الجغرافية "le Territoire "، سلطة تحكمها " le Pouvoir de l’Etat" وأخيرا نظام اقتصادي-اجتماعي-سياسي وقانوني "Ordre Economique,Social, Politique et Juridique"، وتزول الدولة بزوال هذه العناصر وتدخل في اللادولة أو اللامجهول.
والدولة طبعا تقوم على المشاركة السياسية في شؤون الحكم وتنتظم في إطار القانون العام أي دولة المواطنين المتساوين في الحقوق والواجبات كما عرفها الفقيه النمساوي HANS KELESEN إلى اعتبارها بأنها الدولة التي تخضع فيها القواعد القانونية لتراتبية هرمية بشكل يحدد قوة كل قاعدة حسب موقعها، ومدى مطابقتها للقاعدة الأسمى (الدستور كأسمى قاعدة قانونية في الدولة مثلا)، وحتى في ديننا الإسلامي يمكن أن نستنبط المفهوم من القرآن الكريم كأول كتاب تطرق لمفهوم الدولة لكننا لم ننتبه لذلك واعتقدنا أن المفهوم غربي وهو في الأصل عربي إذ جاء في احدى الآيات : " وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ "، وهي اشارة قوية على أن التداول السلمي للسلطة من أنجع طرق الإنتقال الديمقراطي بخلاف الاستبداد والثورات والتدخلات العسكرية الخارجية.
وتطور فكرة الدولة من الدولة الحامية التي تقوم على ضرورة الدفاع على أمن المواطن الفرد الى دولة الرعاية التي تقوم بضرورة تحقيق مقومات العيش في إطار من الإنتظام العام، لتبقى الدولة أساس التعاقد الإجتماعي والاستقرار والأمن والرخاء...فالدولة الحديثة هي الدولة القائمة على الإرادة الشعبية الحقيقية والإسلام الذي أراد به الله أن يكون دينا لأنه يستشرف في الإنسان أرقى ما فيه وأسمى ما يمكن أن يصل إليه، ولكن أراد به البعض أن يكون سياسة وهنا المشكل، لأن الإسلام يجمع ولا يفرق، يؤمن ولا يهدد، يسالم ولا يعادي، يقرب ولا يخاصم...وما السياسة إلا فن تدبير الإختلاف كما يجب على السياسي أن يتوفر على خصائص ثلاث رئيسية إن غابت غاب فهمه للسياسة وغابت معه السياسة ككل، وهي الشغف (الإنكباب على هموم المواطنين ومعالجتها بدراية وليس بجهل وبلادة وصور على مواقع التواصل الاجتماعي)، الحس بالمسؤولية (أن يغلب السياسي المصلحة العامة على مصلحته الخاصة) وبعد النظر (ملكة وتجربة ودراية وقوة ووصفة حاسمة يجب أن يتوفر عليها السياسي)، والسياسي الذي لا يملك الحلول عليه أن يترك المكان لغيره ويبتعد عن السياسة بشكل عام.
كتبت ليلة أمس الاثنين 19 يونيو 2018 تدوينة على موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك مفادها أن الوضع العام بالبلاد يحتاج منا أن نطرح سؤالا عريضا من بين سؤالين، وفكرة طرح السؤال جاءت من إحدى الكتب النادرة للمفكر التنموي والأستاذ في جامعة تافنس الأمريكية "لورانس هاريسون بعنوان "الحقيقة الليبيرالية المركزية"، وأصل فكرة الكتاب هو أنه عندما تقع دولة معينة في أزمات أو بالأحرى في أزمات كبيرة فإن الفاعلين فيها عادة ما يسألون أنفسهم هذه الأسئلة لمستقبل البلاد والعباد. السؤال الأول: ما الخطأ الذي ارتكبناه؟ وهو سؤال نقدي يقودنا إلى وضع اليد على الخلل ولوم النفس جميعنا كمواطنين وفاعليين سياسيين ومجتمع مدينة وبالتالي إيجاد الحلول الموضوعية، والسؤال الثاني : من فعل بنا هذا؟ وهو سؤال يبقى في نظري أقرب إلى الخطأ لأننا نلقي اللوم على فئة قليلة ونستثني الكل الذي يتحمل جزء من المسؤولية وممكن أن نلقي اللوم على أشخاص لا مسؤولية لهم لا من بعيد أو من قريب...
يقول مؤلف الكتاب أن دولا كاليابان طرحت السؤال الأول فأقلعت اقتصاديا وحضاريا، ودول أخرى عربية بالخصوص اختارت السؤال الثاني وما زالت تعاني التخلف الحضاري والتراجع الاقتصادي والتنموي فغابت بذلك النظرة الى المستقبل...
إدن للاقلاع ببلدنا لا بد من طرح السؤال الأول ونشرك الجميع في الحل خاصة فئة الشباب التي يئست من السياسات الخاطئة وأصبحت غاضبة على المجال السياسي، كما أن على الشباب تغليب مبدأ الثقة والصدق في المؤسسات ويقدم يد العون بما استطاع إلى ذلك من قوة وهي مبادئ سهلة التطبيق وسبق لدول مثل النرويج والسويد والدنمارك نهجها وها هي اليوم تتربع على قائمة الدول الأكثر تفوقا في كل المجالات.
                                                                   بوعزة كريم/ باحث في القانون العام