الأربعاء 26 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المنوزي: في نقد عودة الولاء إلى القبيلة وما قبل الدولة!

مصطفى المنوزي: في نقد عودة الولاء إلى القبيلة وما قبل الدولة! مصطفى المنوزي

 كيف لنا أن نتخلص من تمثلات الضحية التي أراد الجلاد المفترض أن تظل ملازمة لحياتنا، نسجن أنفسنا فيها وتطوقنا وتثبط عزائمنا، تستغرق مشاعرنا وعوض التفاعل ننفعل، عوض أن نستمر في تفعيل مقتضيات رسالتنا الإنسانية الحقوقية، ومشروع مجتمعنا الذي سطره وحلم بتحقيقه، في يوم من الأيام، كل المناضلات والمناضلين الذين ضحوا بكل ما يملكون، من قدسية الحق في الحياة الى التضحية بالحرية؟؟

نحن فاعلون حقوقيون، مطلوب منا إعمال المسافة مع معاناتنا وتضحياتنا، كي نستطيع مواصلة مطلب إنقاذ حيوات المختفين قسريا، بالكشف عن مصير الأحياء منهم ومعرفة حقيقة وملابسات اغتيال من لم ينج منهم، بعيدا عن كل عاطفة وحياد سلبي، ومن أجل إقرار عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان المقرونة بالحق الشخصي لضحايا أو ذوي حقوقهم، بسلوك التقاضي في سياق مطلب عدم الإفلات من العقاب.

ولأنه يصعب اشتغال الضحايا كفاعلين على قضاياهم كضحايا ومطالبين بحقوق جبر الضرر ورد الاعتبار، فإننا أسسنا عدة ديناميات وآليات متخصصة في مجال مرافقة ضحايا الاختفاء القسري وعائلاتهم في مجال الحقيقة.. هذا المطلب الذي خضنا فيه صراعا مريرا من أجل تنعقد المناظرة الوطنية حول الانتهاكات الجسيمة.. فانعقدت الأولى وتشكلت هيأة المتابعة، والتي لم تفلح بعقد الثانية إلا مؤخرا، في صيغة  محينة وأسئلة جديدة أوصت بضرورة تشكيل آلية وطنية مستقلة من أجل مواصلة الكسف عن حقيقة الملفات العالقة.. ولكن شاءت الأقدار أن تتشكل لجنة من أصدقاء أحد الصحافيين، سميت "لجنة الحقيقة والعدالة"، تبين لاحقا أنها تشتغل لفائدة هذا الصديق، وهو اسم يختزل استراتيجيا المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف؛ وبالفرنسية  fmv et justice حيث تتماهى الرسالة بين الإنصاف والعدالة، أي جبر الضرر وكذا المساءلة، بالإضافة إلى الحقيقة، وبقية الأهداف من تأهيل ضحايا التعذيب والحكامة الأمنية، وكل ما يرتبط بجبر الضرر الجماعي، وأساسا حفظ الذاكرة والتوثيق والأرشيف وخلق شراكات مع المؤسسات الجامعية والعلمية للتاريخ والأرشفة.

ورغم أن الأغلبية الساحقة لضحايا سنوات الرصاص منخرطة، فإننا لا نزعم بتاتا أننا الممثل الوحيد لضحايا سنوات الرصاص، المقصود بها الفترة ما بين التاريخ الرسمي لنيل الاستقلال الشكلي، إلى التاريخ الرسمي لحلول عاهل البلاد محل والده.. ويعد النقد والنقد الذاتي جوهريا  كآلية لافتحاص مدى نجاح المنتدى في طرح وملامسة مشروع الجواب عن فشل العهد الجديد في القطع مع الماضي الأسود. فعدم إقرار ضمانات عدم التكرار، وكذا تهريب مطلب سن استراتيجيا عدم الإفلات من العقاب، أجج الهوة  بين الأجيال، وبدل أن تؤول توصيات هيأة الانصاف والمصالحة آلية للتواصل التاريخي، في أفق مصالحات جيلية وبينية، عموديا وعرضانيا، ضمن مسلسل جبر الاضرار الفردية والجماعية، المجالية والترابية؛ بدل ذلك انتعشت ثقافة "النضال" الفئوي ونزعة النفي المطلق لتراكم التجارب والمكتسبات، واختزل الصراع الاجتماعي في حروب صغيرة بين الأجيال بخلفية مناهضة كل ما مؤسساتي، ومبادرات فردانية غير منتجة للتضامن والتعاون الحقوقيين، ويخشى أن يتحول مفهوم الانتماء الى المجتمع والمؤسسات إلى ولاء للفرد والأشخاص، وتبخيس العمل الجماعي والحزبي، بشكل يضعف معه العمل السياسي مقابل "ازدهار" المبادرات الفردية، وهو أكبر خطر يتهدد  مصير البناء الديمقراطي.

إذا علينا أن نخوض في سؤال التدبير السلمي للصراع الجيلي بمحاولة فهم أسباب تصاعد المد المحافظ بشكل مخيف، وتردي قيم النضال الجماعي والمؤسساتي، ومعه تنامي المبادرة الفردية في صيغة عودة غير محمودة من المجتمع إلى الفرد، وذلك بالاستفهام:

ـ هل الأمر يتعلق برد الاعتبار إلى الإنسان ككائن ثقافي محل الإنسان ككائن اقتصادي؟ هل نحن في طريقنا إلى تمثل الحنين إلى مرحلة القبيلة والطائفة ضدا على مطلب دمقرطة الدولة والمجتمع الموءودة ثورته؟