الأحد 24 يونيو 2018
كتاب الرأي

د.تدمري عبد الوهاب: وقائع ومؤشرات دالة لمن يبتغي الموعظة ويتفادى الفوضى والفتنة

د.تدمري عبد الوهاب: وقائع ومؤشرات دالة لمن يبتغي الموعظة ويتفادى الفوضى والفتنة د.تدمري عبد الوهاب
وقائع ليس بالضرورة النظر إليها من زاوية المؤامرة والدسائس التي يحيكها بعض السياسيين الفاسدين من اجل تصفية حساباتهم السياسية الضيقة، هذا في الوقت الذي تؤشر فيه بعض هذه الوقائع علي تحول عميق في السلوك العام الموجه للمجتمع خاصة بما له علاقة بواقع الزيارات الملكية الأخيرة، وما رافقها من تدشينات في كل من الدارالبيضاء، وتمارة وسلا وطنجة، وما تخللها من تعبيرات احتجاجية للمواطنين تستنكر الفساد والمفسدين، وذلك أمام أنظار ومسمع رئيس الدولة مباشرة، حتى وان رفع البعض شعارات عاش الملك ،وهي التعبيرات التي لا يمكن ضبطها ولا محاسبة السلطات الأمنية عنها ،لكونها تتموقع خارج نطاق الخرق الأمني .
وبالتالي كذلك لا يمكن معالجتها عبر المقاربة الكلاسيكية ،التي تتواجد خارج نطاق القانون والمؤسسات ، القائمة على الغضبات الملكية التي أصبحت كابوسا مؤرقا للمسؤولين الأمنيين لدى كل زيارة ملكية. مما يدفعهم إلى ارتكاب المزيد من الخروقات في حق المواطنين والمواطنات وذلك من أجل تفادي كل ما من شأنه أن يعرضهم لمثل هذه الغضبات كما لا يمكن اقناعنا كونها من فعل فاعل تربي علي الطاعة والربع وذلك بغرض تصفية حسابات سياسية ضيقة بكل ما يمكن ان يحيل عليه هذا السلوك من تمرد علي ولي النعمة و من وجب عليهم طاعته.
أو اعتبار كذلك ، أن ما نشهده من ترويج للفكر الخرافي ، يندرج فقط في إطار استراتيجية تهدف إلى صرف أنظار المجتمع عن ما يعتصره من واقع أليم، علاقة بتناسل أخبار قائمة على التراث الديني والشعبي كملائكة سماء مكناس وكنز جبل سرغينة، وما يختزنه من عوالم غير مرئية يمكن ان تشكل ملاذات آمنة لشرائح واسعة من المجتمع تزأر تحت واقع الجهل و الهشاشة.
بل في كونها مؤشرات دالة عن مدى الأزمة العميقة التي أصبحت تهدد الدولة في علاقتها بالمجتمع، الذي أصبح في مواجهة مباشرة معها ، ومع شخص الملك بصفته رئيسا لها ومسؤولا من الناحية الدستورية عن فشل كل السياسات العمومية، ونتائجها الوخيمة على المجتمع والدولة ومؤسساتها، وكذلك عن ما أصاب الوسائط الحزبية والدستورية من وهن وعجز فقدت معهما مهمتها التمثيلية والتأطيرية وذلك بعد أن فقدت كل مصداقيتها أمام من ادعت تمثيلهم من المجتمع المغربي.
وهو ما يتطلب من الدولة جرأة كبيرة للنظر في ما تعكسه المرآة من حقائق مؤلمة. تتطلب حلولا جذرية في اطار مقاربة سياسية شاملة. تروم لبلورة رزنامة حلول لما يتهدد الدولة والمجتمع معا ،وليس باعتماد حلول مؤقتة و ترقيعية .
كما أن ما نشهده من ظواهر اجتماعية ومظاهر تعبيرية متباينة ، ما بين سلوكات جماعية تؤشر بشكل مباشر عن امتعاض المجتمع من واقع الأزمة الشاملة التي يتخبط فيها عبر تعبيرات شعبية مطلبية و حضارية ،وبين تعبيرات جماعية أخرى تعود بنا إلى الخلف وتزرع بذور اليأس فينا ،كما كان الشأن مع ملائكة مكناس، و خرافة كنز جبل سرغينة، إلا أنها كذلك غير مطمئنة لكل من لازالت له غيرة عن الوطن سواء من داخل الدولة أو المجتمع، نظرا لما تظهره من جهل وهشاشة لدى فئات واسعة كذلك من مجتمعنا المغربي، التي يسهل توظيفها من قبل من هم مؤهلون للاشتغال على اجندات مدفوعة الأجر سواء من داخل البلاد او من خارجها، خاصة مع ما يعيشه محيطنا الإقليمي من نزاعات وصراعات اجتماعية وسياسية ودينية عنيف،ة تغذيها مصالح الدول الاستعمارية الغربية .
أقول ان ما وقع مؤخرا يجب قراءته في سياقاته الدقيقة ، التي لا تستكين إلى نظرية المؤامرة والتوظيفات السياسية الضيقة والآنية، .وكذلك في مدلوله العام الذي يعكس واقعا عاما من سماته الإحساس المشترك باليأس والإحباط، واستعداد شرائح واسعة من المجتمع ان تتشبث وان تقدس من تراه يشكل لها ملاذا آمنا من واقع الهشاشة الذي أفقدها حس التمييز بين الحقيقة والخرافة ،وبين الهدم والبناء. انها فعلا مؤشرات دالة وتعبيرات مكثفة لمجموع المخاطر التي تهدد الدولة والمجتمع معا .
بالتالي تجدر الإشارة هنا إلى ضرورة تنبيه صناع دوائر القرار ،انه ان تماديتم في مقاربكم الأمنية و حلولكم الترقيعية، فأنه يمكن أن يأتي يوم ستتمنون فيه الف مرة الحوار مع من صنفتموهم خونة للوطن من نشطاء الحراك الشعبي ،على ان تجدوا أنفسكم أمام أمثال من استنفر ذاك الكم الهائل من المواطنين والمواطنات على خرافة لا يصدقها عاقل،وبالأحرى ان تم استنفارهم علي الجهاد من اجل الجنة وما ملكت أيمانكم من غنائم.
فحذاري من هذه اللعبة الخطيرة ومن اللعب بالنار.