الثلاثاء 14 أغسطس 2018
كتاب الرأي

د. رشيد لزرق: سراب التنمية بدون الديمقراطية 

د. رشيد لزرق: سراب التنمية بدون الديمقراطية  د. رشيد لزرق 
يعتبر تحقيق التنمية شرطا حيويا  لتجدير الديمقراطية  وتمتين مرتكزات المواطنة،  وبلورة مدلول لدسترة الخيار الديمقراطي الذي لغاية الْيَوْمَ لم يواكبه بروز مشروع تنموي حزبي، بالنظر لكون الأحزاب السياسية اعتادت ممارسة السياسية ليس بالمشاريع الاقتصادية و مقارعة البدائل بل من خلال التكتيك السياسي و تقافة رفع الصوت و المزايدة، في خضم هذا المشهد السريالي،  لم تواكب هذه  الإصلاحات الدستورية،  بروز كفاءات قادرة على ترجمة الإصلاحات الدستورية إلى ممارسة عملية مما جعل هذه الإصلاحات  غير ذات اثر وتعرف  بطيء التنفيذ، و في خضم هذا الوضع برزت أحداث اجتماعية في بعض أقاليم المملكة، جعلت بعض الأصوات تتجه إلى المناداة بإعطاء أسبقية التنمية الاقتصادية على  تجدير الديمقراطية، وفق رؤية اختزالية تميل إلى تبني فصل تعسفي بين  الديمقراطية والتنمية، والحال أن عدم بلوغ مرحلة التنمية وتحقيقها يعود أساسًا إلى تعثر في تجدير الديمقراطية، كحمولة وثقافة. و ليس فقط كصناديق للاقتراع زجاجية.
فما عرفه المغرب من موجة احتجاجات وتحركات شعبية كبيرة، بداية من حراك الريف، حيث تشهد مدن الشمال احتجاجات متواصلة للمطالبة بالتنمية ورفع التهميش ومحاربة الفساد، وصولًا إلى احتجاجات منطقة "جرادة" المطالبة هي الأخرى بالتنمية، مرورًا بـ"حراك العطش"، في مدينة زاكورة، للمطالبة بتوفير الماء الصالح للشرب في المنطقة التي تعاني منذ فصل الصيف نقصًا شديدًا في المياه، فضًلا عن الانقطاعات المتكررة.
 صحيح هذا الوضع، يتطلب، تعجيل بضرورة بلوغ مرحلة التنمية، لكن بشكل متوازي مع مؤسسات ديمقراطية قوية، لأن التنمية المستدامة تمر لزوما من خلال تجدير الديمقراطية، والقول بالعكس بالمراهنة فقط على   التنمية في 
ظل غياب مؤسسات ديمقراطية قوية،  يكون بلوغ مرحلة التنمية من قبيل الوهم، و هنا أجزم  أن بلوغ مرحلة التنمية سيبقى مرهونًا بتجدير  الخيار الديمقراطي، وتقوية الدولة الاجتماعية التي ترسخ المعايير والقوانين والسياسات الشفافة في جمع الموارد المالية وتوزيعها، وفي صياغة البرامج الاجتماعية ومراقبتها من أجل ضمان عدالة اجتماعية شاملة.
النموذج التنموي الجديد ، يستوجب بالضرورة صياغة مخطط تنموي يقوم على تقوية الدخل القومي وبلورة رؤية مستقبلية قوامها رفع تحديات العولمة واقتناص فرصها، يتطلبان توفير شروط كثيرة، تأتي في مقدمتها توفير مؤسسات ديمقراطية تمكن المواطنين من المشاركة في صياغة مستقبل وطنهم والاختيار الواعي والمسؤول بين الخيارات التنموية المتاحة وطرق ووسائل بلوغها، وبالتالي إجراء مفاضلة صحيحة بين التكاليف والمردودية المتوقعة لكل من هذه الخيارات.
 فالنموذج التنموي المعتمد بالمغرب مند حكومة التناوب التوافقي، و القائم على تشجيع الاستهلاك الداخلي لم يعد قادرا على الإجابة على الحاجيات المجتمعية، في ظل التحولات المجتمعية و التغييرات السياسية ما بعد الأزمة الاقتصادية الدولية و بزوغ مرحلة النيولبرالية،  اتجهت 
الخيارات المغربية في الاندماج في الاقتصاد الإقليمي و الدولي، الذي يفرض نموذج تنموي يشجع الصادرات و يحقق التنافسية، وما يفرضه هذا من حزمة من الإصلاحات، أولها تحمل المسؤولية السياسية في تنفيذ هده الإصلاحات، والتي تفرض  رؤية واضحة لإصلاح  الإدارة وتشجيع الاستثمار وتبسيط الإجراءات الإدارية، و تسريع لتصحيح الاختلالات. كلها يحتاج لحكومة مسؤولة سياسية و متضامنة في القرارات التي تتخذها، وذاك  لضمان نجاح هذه الأوراش، كما ينبغي  أن تكون لها  مقاربة تشاركية، لضمان رقابة شعبية فعالة لمواطن غيور ومشارك في القرار، وحدها التي تستطيع القيام بمهمة الكشف عن جوانب القصور ومواطن الفساد والممارسات المنحرفة بفعالية، فآليات الرقابة، سواء البرلمانية أو الحكومية، على أهميتها تظل غير فعالة، بالنظر للمزايدات السياسية، والاتجاه إلى التسييس الدائم لكل الآليات، مما يجعلها تزيغ عن الحيادية والنزاهة.
فالعديد من المقصرين والمنتفعين من الفساد، لهم حماية سياسية، وهذا ما يجعل المؤسسات التمثيلية والتنفيذية غير قادرة على كشف الحقائق وإدانة المقصرين والمفسدين. أو كما تم في التعديل الحكومي الأخير الذي تم فيه تحيد الأثر السياسي لتعديل عبر تعديل شخص بشخص تكون أن تشمل المسؤولية السياسية أحزاب التي اقترحت وزارة موضوع التقصير.
أن بلوغ مرحلة التنمية، يظل مرهونًا بإرادة سياسية وقوانين واضحة ومؤسسات قوية ومؤسسة قضائية مستقلة ومجتمع مدني فاعل وإعلام قوي، لأن التنمية لا تختزل في زيادة المعدلات الحسابية وارتفاع الدخل القومي فقط، بل بمنظورها الشمولي، الذي يشمل الجوانب الاجتماعية والبيئية للتنمية، إضافة إلى الحقوق السياسية للمواطنين، وصولًا إلى الحرية والديمقراطية.
فهناك  ضرورة اجتماع كل هذه المؤشرات حتى تتحقق التنمية المستدامة، فإن  لم يتم إرفاق النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية والحفاظ على البيئة للأجيال القادمة وتأمين الحقوق المدنية للمواطنين وتمكينهم من تطبيق مبادئ الديمقراطية بما فيها حرية الاختيار وخضوع السلطة السياسة للمساءلة، فإن التنمية، بمعناها الشمولي، تعتبر تنمية ناقصة أو محدودة الجانب.