الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

محمد المرابط: هل يتعارض انتقاد الزفزافي مع براءة نشطاء الحراك؟!

محمد المرابط: هل يتعارض انتقاد الزفزافي مع براءة نشطاء الحراك؟! محمد المرابط

مرور الباحث سفيان الحتاش في الحلقة الثالثة لبرنامج "أمساور"، الذي ينشطه الفاعل الجمعوي محمود بلحاج، في قناة "ريف فيزيون"، في مطارحة "دور النخبة في حراك الريف"، قد أضفى حرارة على البرنامج. وهي الحرارة التي امتدت بعد ذلك لموضوع: "الحراك الشعبي بالريف واليسار: أية علاقة؟"، الذي أداره سعيد الفار في نفس القناة التي يشرف عليها الإعلامي المقتدر رشيد امحاولن.

وسيكون  هذا المرور مناسبة للوقوف على مستويين:

1- لقد كان الأستاذ الحتاش موفقا من عدة جوانب في هذا المرور، بوثوقه التشخيصي وشمولية إحاطته ووضوح أفقه النظري، فكان خير معبر عن حيوية شبابنا في الريف. وقد سبقت هذا المرور مادة قيمة للدكتور التدموري المنسق العام لـ "منتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب"، بعنوان: "الحراك الشعبي الريفي بأوروبا، بين متاهات الخطاب الشوفيني وضبابية المشروع الديموقراطي". وإذا استحضرنا جملة كتابات سفيان والتدموري، وعبد ربه، فسنجد أنفسنا أمام نواة تتكون من مشارب اليسار "الجذري" ويمثله الدكتور التدموري، واليسار "الإصلاحي" ويمثله عبد ربه، والديموقراطيين "المستقلين"، (ولا أقصد به المعنى الاصطلاحي للمكون اليساري المعروف) ويمثله الحتاش. فهذه التمثيلية حتى وهي تبقى نسبية، فإنها تعبر عن جانب من مشارب "نخبة" الريف، وقد وحدها الحراك، فاحتضنته بطريقتها، وتسعى لكي يرسو على مرفأ النجاة. لذلك فنقدها للمقاربة المخزنية ولجوانب النقص والجموح في الحراك، لا ينفصل عن بيداغوجية التمكين لمصلحة أهلنا في الريف، و بناء منطق المؤسسات الوطنية الجامعة. لذلك فإطار هذه النواة في حاجة إلى أسماء أخرى لضبط أفق المعالجة، وفي حاجة إلى مباركة المعتقلين وعائلاتهم، والقوى الحية في البلاد، لمصلحة الريف والوطن. فالحراك لم ينته ميدانيا، فما زال في بؤرته في تماسينت حيا، ولم ينته فكريا، وهو من صميم الانشغال الوطني. وهذا الجهد في حاجة إلى موصول دفء احتضان أجيال النضال الديموقراطي في البلاد.

2- في مرور سفيان في برنامج "أمساور"، حدثت لقطة لا بد من الوقوف عليها. لقد تدخل في سير النقاش رشيد امحاولن وكان يشرف على الجانب التقني للحلقة: "لو سمحت لثانية، ليس لدي  من الجانب التقني أدنى حق في التدخل بينكم، حسمت هذا مع الأخ بلحاج منذ اليوم الأول. لكن سأنزع بذلة الجانب التقني وألبس بذلة الريفي، ابن الريف ابن إقليم الحسيمة. لنحترم على الأقل ناصر وهو ما زال في الزنزانة الانفرادية منذ عام. ليس الآن وقت تقييم الأخطاء التي ارتكبها ناصر. الله يرحم الوالدين..". فكان جواب سفيان: "لا نقيم الآن أخطاء ناصر، نحن نتكلم عن النخب والحراك، بدليل لما أحلل، أحلل في هذا المستوى. حين أستحضر ناصر، أستحضره ضمن سؤال النخب. لماذا تجاوز الحراك النخب في الريف؟ فقط، لا أقيم ناصر الزفزافي أطلق الله سراحه، ولا أدخل في مستوى هذا النقاش. أنا لحد الآن منهجي، ومنضبط منهجيا في النقاش. ولم أخرج عن منهجية النقاش، لما أستحضر ناصر الزفزافي كظاهرة أو كخطاب، أستحضره لنفهم لماذا النخب في الريف تجاوزها الحراك؟ فقط لا غير". ثم واصل حديثه.

هذه اللقطة، غيبت امحاولن كإعلامي ناجح عليه أن ينتصر لمنطق مسؤوليته الإعلامية، لكنه انساق مع أحاسيسه كريفي، وكأن سفيان ليس ريفيا من قلب الريف. الحراك هو آلية نضالية يجب أن تكون موصولة بالحوار لتحقيق مقاصدها، وليس هدفا في حد ذاته. فهو كدينامية بشرية له أخطاؤه بالتأكيد، وبالتالي ليس مقدسا  فوق النقد. أما فيما يخص مسألة التوقيت، فإن الزفزافي ومن معتقله مازال يجترح الأخطاء. وهذه الأخطاء، تتجاوز شخصه، لتلحق الضرر بملف الحراك ككل، ناهيك عن مسؤوليته المعنوية عن 798 من المتابعين الموزعين على 10 سجون -حسب المعطيات الإحصائية للأستاذ رشيد بنعلي- وبكل معاناة ذلك. لذلك فالحراك سيكون مباركا إذا استطعنا أن نجعل منه مدخلا لإصلاحات سياسية على المستوى الوطني، وأيضا لمصالحة حقيقية في الريف، وهذا يتطلب حكمة ناصر ورفاقه. ما عدا ذلك سيكون وبالا على الاستقرار في منطقة الريف. ناصر لوحده مندفع، محدود الأفق والخبرة، مبتدع في التخوين والاستبداد والفرار، لكنه مع المجاوي وجلول والأصريحي وأحمجيق والحنودي والحمديوي، ظاهرة إيجابية يجب مواكبتها بالنصح والترشيد، من طرف نخبة الريف، وهذا يستوجب قدرا من التواضع والإصغاء لمنطق التراكم في النضال. ولا يمكن القبول هنا بمنطق "كلما دخلت أمة لعنت أختها". فالنقد مطلوب بالرغم من مشاعر التضامن مع المعتقلين. ما ليس مقبولا أخلاقيا هو التشفي. وعلى ناصر أن يطوي النقاش في هذا الجانب بممارسة النقد الذاتي.

لذلك فحراك الريف لا يمكن اختزاله، فهو أكبر من الزفزافي ورفاقه، وأكبر من الإدارة الترابية والأجهزة الأمنية والمسار القضائي. لكن الزفزافي بمعية رفاقه أراه يمسك بمفاتيح الحل السياسي لملف الحراك، إلى جانب باقي المتدخلين، حيث تنحصر مهمة النخبة في تليين مفاصل الحل. وما المسار القضائي إلا رجع الصدى لما يعتمل في معادلة التدافع والتوافق خارجه. هيا لنرسي قواعد السياسية في الموضوع، على تقوى من الله ورضوان!