الأربعاء 26 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

د. تدمري عبد الوهاب: مساهمة في فهم مكامن فشل السياسات العمومية في مجالي التشريع والتنمية

د. تدمري عبد الوهاب: مساهمة في فهم مكامن فشل السياسات العمومية في مجالي التشريع والتنمية عبد الوهاب تدمري

عندما أستحضر ما ننهله من معارف رسمية وما يحاولون إيهامنا به على كونه حقيقة مطلقة، حول واقعنا كشعب مغربي يختزل تاريخ تشكله وحضارته مع قيام إمارة الأدارسة، أي حوالي اثني عشرة قرنا في إنكار تام لما سبق من دول وممالك. أو كأن البلاد كانت خاوية من ساكنتها، وأن اصل المغاربة عرب قدموا من اليمن عن طريق الحبشة. هذا في الوقت الذي تزخر فيها البلاد بالكثير من المآثر والنقوش التاريخية التي تعود إلى ما قبل الميلاد. وتتحدث الكتب التاريخية عن ممالك ودول عاصرت المرحلة الرومانية والفينيقية. واكتشفت البحوث الأركيولوجية أن أصل الإنسان في هذه البلاد يعود لـ 300 ألف سنة. وكونها أول موطن للإنسان العاقل بـ 12 ألف سنة إلى حدود هذا الاكتشاف.

عندما يقولون إن المغرب بلد عربي، هذا في الوقت الذي تشهد فيه كل المراجع التاريخية، حتى المشرقية منها، أن المغرب بلاد الأمازيغ، وأن من تم استقدامهم من الجزيرة العربية في العصر الوسيط، لأغراض سياسية من طرف بعض سلاطين المغرب، بمن فيهم سلاطين أمازيغ، لا يتجاوزون بضعة آلاف أهلكت الأمراض الكثير منهم وهم في طريقهم إلى أماكن استيطانهم الجديدة. هذا في الوقت نفسه الذي تقر فيه جميع المصادر التاريخية ويقر فيه التاريخ الإسلامي بالصعوبات الكبيرة، والمقاومة الشديدة للفتح الإسلامي من طرف الشعوب الأمازيغية لشمال إفريقيا، التي قبلت بالإسلام ولم تقبل بالاستعمار العربي، والتي تطلبت أكثر من حملة عسكرية بقيت محصورة في السواحل المتوسطية.

هذا في الوقت الذي تشير فيه كذلك إحصاءات سلطات الحماية الفرنسية، في أواخر العشرينات من القرن الماضي، إلى نسبة تفوق 75% من السكان الناطقين بالأمازيغية، وذلك رغم مرور أكثر من 13 قرن من التعريب وارتباط اللغة العربية كلغة للقرآن بالسلطة السياسية، فسادت لقرون بسلطان القوة وليس بغلبة العرق الذي ذاب موضوعيا في النسيج الاجتماعي الأمازيغي المغربي. ورغم عملية التعريب الواسعة التي تمت من خلال السياسات التعليمية لمرحلة ما بعد الاستقلال، بقيت الأمازيغية حية وتقاوم. بل أصبحنا نشهد صحوة كبيرة في هذا الشأن بالشكل الذي يثبت من جديد، لمن يتجاهلون أن الأمازيغية ليست فقط لسان، بل كذلك ثقافة وذاكرة ووجدان.

عندما يقولون إن حركات مقاومة الاستعمار في الأطلس والصحراء والشمال هي حركات فتنة وتمرد على السلطان، ويجمع الزعماء السياسيين في البلد على اعتبار رموز المقاومة خونة ومتمردون على العرش والوطن. فتخلو على إثره الكتب المدرسية من إنجازاتهم.. ولا تذكر إلا في أسطر يتيمة، هذا في الوقت الذي يتم فيه إبراز أسماء شخصيات وهمية،  بأمجاد مزيفة يذكر التاريخ تواطؤهم المكشوف مع الاستعمار، وتخليهم عن عملية استكمال التحرير. فتراهم يؤرخون لبداية المقاومة ضد الاستعمار مع نفي السلطان. ويختزلون مطلبها في عودته فقط، بدل النضال من أجل الحرية والانعتاق من الظلم والعار. وبدل العمل على تحرير ما تبقى من البلاد التي ما زالت تزخر تحت نير الاستعمار.

عندما يقولون إن المغاربة مالكيون في مذهبهم، هذا في الوقت الذي تعلم فيه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن الحقيقة أبعد بذلك بكثير. وما يقرون بغلبته ليس إلا من باب الوهم، وإن المذهب المالكي قد تراجع إلى المرتبة الثالثة بعد الإخوان المسلمين والوهابيين.

عندما يقولون إن المجتمع المغربي مجتمع مسلم، بل أكثر من هذا ملتزم ومتدين لنثبت أن دين الدولة هو الإسلام، كما ورد في ديباجة الدستور.

مجتمع ليس فيه دعارة، ولا فساد، ولا مثليين، ولا ملحدين، ولا علمانيين، ولا مرتدين إلى المسيحية، ولا يتعاطى الخمرة ولا الحشيشة، فتشرع الدولة كل القوانين الزجرية من أجل إثبات الحقيقة/ الوهم، حسب مفهوم نيتشه الذي يرى أن العقل عبر التاريخ لم ينتج إلا الوهم، وأن الحقيقة هي تلك التي يصنعها القوي. وبما أن الدولة هي الطرف القوي في المعادلة، فإنها هي بالتالي من يصنع لنا الحقيقة.. أو من أجل إثبات حقيقة أفلاطون، التي لا توجد إلا في عالم المثل، ولا تتطلب إخضاعها للعالم الحسي الذي يعتبره مزيفا لكونه انعكاسا لكل ما هو غير محسوس، وبالتالي لا يستدعي الوقوف عنده.

أم وجب البحث عن حقيقة ديكارت، التي لا تستقيم إلا باعتماد قواعد المنهج.. وبالتالي يجب أن نبحث عن الحقيقة التي يدركها العقل في تطابق مع الواقع، باعتماد ما راكمه حقل العلوم الانسانية بما تعرفه من نسبية قد تلامس الحقيقة، ولا تشكل ابدا نقيضها، أو كونها الحقيقة ذاتها في العلوم الحقة.

وان كان كذلك، فهل هذا يعني أننا تركنا للمجتمع حرية اختيار معتقده، أو حرية اختيار سلوكاته، حتى نعرف حقيقة مجتمعنا وما تخترقه من مظاهر موجودة في الواقع، تعبر عن نفسها في السر ولا يعنيها ما تشرعها الدولة لها من قوانين؟ أو من مخططات وبرامج تنموية تترجمها الدولة من خلال سياساتها العمومية على واقع اجتماعي تأبى الاعتراف به، هذا في الوقت الذي ما فتئ فيه المجتمع يتشكل في غفلة عنها وعن مؤسساتها.

عندما ينتفض الشعب ويخرج في مسيرات احتجاجية سلمية من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، فتتعامل الدولة بمنطق اللامبالاة، بل بالقمع والاعتقالات، وتعتبر نشطاءها وقياداتها خونة وعملاء.

أو عندما تنتشر دعوات المقاطعة عبر وسائط التواصل الاجتماعي لبعض المنتجات التي تعود إلى شركات احتكارية عاثت في الارض فسادا، فتعتبرهم الحكومة مجرد مداويخ ومجهولين.

أو عندما يفقد المجتمع ثقته في الاحزاب والمؤسسات المنتخبة فتنصب الدولة نفسها وصية على الشعب،  وتتجاهل مطالبه، وتكرهه على القبول بها، حتى وإن كانت فاسدة.

عندما تقر الدولة في شخص أعلي سلطة دستورية فيها بفساد الإدارة وترهلها، وبفشل النموذج التنموي، وبعجز الأحزاب، والمؤسسات المنتخبة عن القيام بمهامها، فلا نرى على أرض الواقع ما يفيد. بل استمرارية لنفس النهج الذي سبق وأن تم نقده.

ألا يمكن القول إننا فعلا أمام حالة انفصام حقيقية. حالة تثبت أن مسؤولينا لا يريدون أن يروا إلا ما يأملونه من تمثلات ذهنية لمجتمع غير موجود في الواقع. وأن استحضار الحقيقة كمفهوم فلسفي يستند إلى التحليل العقلاني الملموس للواقع الملموس، هو من سيساعد على فهم مجموع التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، سواء ثقافيا أو روحيا أو فكريا، أو في منظومته القيمية، وبالتالي معرفة متطلباته الحقيقة في مجالي الحرية والتنمية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.

كما أن الحاجة إلى إعمال مبدأ الحق في معرفة الحقيقة، ليس فقط كما هو معرف في القانون الدولي والقانون الجنائي، الذي يلزم الدول على كشف حقيقة ما جري لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان سواء لذويهم او للمجتمع، بل كذلك في المدلول الجمعي لهذا المبدأ الذي يقر بحق الشعوب في معرفة تاريخها الحقيقي، والذي سيعمل على تصحيح ما لحق تاريخنا من تزييف وتحريف.

هذا كله لسبب بسيط، كون الشعوب والدول لا يمكن أن تبني مستقبلها بالقفز على الواقع، أو بإخضاعه لأهوائها أو لنزعاتها الذاتية، وأن تصحيح التاريخ والكشف عن حقائقه مهما كانت مؤلمة، والاعتراف بها، هي السبيل إلى المصالحة الحقيقية، التي تمنح الشعب مقومات مناعته ضد الاستلاب الفكري والحضاري، وتمنحه  العزيمة والإرادة لبناء مستقبله.