الجمعة 16 نوفمبر 2018
في الصميم

ثلاثة مفاتيح لفهم " ألغاز" مسيرة الدارالبيضاء

ثلاثة مفاتيح لفهم " ألغاز" مسيرة الدارالبيضاء

كان من قدر مسيرة الدار البيضاء لشعب الفايسبوك ضد أخونة الدولة والمجتمع، أن تبرأت منها المعارضة، ورضخت لها الداخلية كأمر واقع، في حين
استغلها الحزب الحاكم في مستويات عديدة، وفي مقدمتها تصفية الحساب مع الوزير حصاد لرفضه الانسياق مع تحكم الحزب الحاكم، على حساب المنطق
المتجرد المفترض في التدبير الحكومي للزمن  الانتخابي. ولعل هذه الخلاصة في حاجة إلى تفكيك واعادة الصياغة، لتلمس تضاريس معادلتها، على قدر من متطلبات الوضوح في هذه القراءة.
أولا - أن يتبلور وعي جماعي ضد أخونة المجتمع والدولة، يتجاوز حدود الصحافة الورقية والإلكترونية، ليشكل انشغال شعب الفايسبوك، فهذا يمثل ثمرة لعقود من نضال فكري وإعلامي على طريق دمقرطة الدولة والمجتمع وحماية التدين المغربي من «الدعشنة والطلبنة والأخونة». لذلك فالهوية الإديولوجية لهذا الوعي ليست مجهولة، لكن ترجمة هذا الوعي الجماعي في شكل مسيرة، خارج الأطر التنظيمية المتعارف عليها، في هذا الباب، ساهم بردود الأفعال حولها، في التشويش على عملية الانتقال بهذا الوعي إلى الشارع.

ثانيا - موقف المعارضة من هذه المسيرة بلوره أولا زعيم البام، بكون حزبه لا علاقة له بهذه المسيرة سواء من موقع الدعوة أو الاستدعاء، و أنه من
الناحية المبدئية مع حرية التعبير في إطار القانون. وبلوره موقف المعارضة ثانيا زعيم الاتحاد الاشتراكي، لما اعتبرها مؤامرة لخدمة الأغلبية الحكومية، وأن هدفها تضليل وتغليط الرأي العام. في حين نفى زعيم حزب الاستقلال علمه بهذه المسيرة، لانشغالاته الحزبية.

ثالثا - الموقف الرسمي من هذه المسيرة، عكسه الخلاف العلني بين وزير العدل مصطفى الرميد ووزير الداخلية محمد حصاد. وعكسه موقف بنكيران المستخف عادة بالاحتجاج الاجتماعي المنظم وغير المنظم، على حد سواء، لأنه لا يستوعب الاحتجاج على سياسته، وقد اختارته العناية الإلهية -كما يدعي- لهذا الشعب. فهو «المختار المختاري» لهذه العناية بالمغرب الأقصى! لكن بنكيران إلى جانب استعماله لمعجم الاستخفاف المعتاد في حق منتقدي
سياساته التفقيرية تجاه الشعب، ومخططات انقلابه الإخواني على بنية الدولة، رد على هذه المسيرة، لما قال: «ليس لنا الحق في التراجع عن هذا الأمر، لأننا نحمل أمل شعب وأمة كاملة في العالم». وبنكيران بهذا الرد الإيديولوجي الواضح والمنتظم في الأممية الأصولية، قد أعطى المصداقية للتخوفات المشروعة من مخطط «الأخونة»، بالرغم من تصريحات بعض المندسين فيها من طرف كتائبه الحزبية بغاية الإساءة إليها.
طبعا لا ننسى في رد بنكيران أسطوانته المعهودة، وهو يرى العفاريت في كل مكان، وإن كان هذه المرة ينقصه المداد في خط الإبراز!
كل هذه المعطيات والمواقف تسمح لنا بتأطير قراءة مسيرة الدار البيضاء ضد مخطط أخونة الدولة والمجتمع، على نحو مغاير.
أعتقد أن موقف المعارضة من هذه المسيرة يعاني من ابتزاز التحكم الأصولي لها: فإلياس العماري، وقد سبق أن جعل من مهام حزبه النضالية حماية المغاربة المسلمين من تحكم الأصوليين، كان يجب أن يعتز بهذا الوعي لشعب الفايسبوك، بالتدين المغربي، بصرف النظر عن نفي علاقة حزبه التنظيمية، بهذه المسيرة. وهذا يبين أن زعيم «البام» ما زال أسير محاصرة الحزب الحاكم له، إلى حد تجاهل المضمون الوطني اليساري لعنوان هذه المسيرة.
أما موقف إدريس لشكر، فيبعث على الحيرة حقيقة. فمضمون عنوان المسيرة هو ترجمة لعقود من نضال المدرسة الاتحادية وهي معمدة بدم الشهيد عمر بنجلون، فكيف رأى فيها مؤامرة لخدمة الأغلبية الحكومية؟ هل خشي من اتخاذها مطية من طرف الحزب الحاكم للقيام بمسيرة أصولية مضادة؟ هل تم التلاعب بشعب الفايسبوك من طرف بعض ما ينعتون بـ  «يساريي بنكيران» لقلب الطاولة؟
هل وصل ضيق صدر الاتحاد الاشتراكي، ألا يسمح لليسار «الجذري» باستعمال ملكيته الفكرية، والحال أن كل اليسار ينهل من المعجم «الإصلاحي» /الثوري للمدرسة الاتحادية؟
أكيد ان موقف زعيم الاتحاد في حاجة إلى توضيح رفعا لكل التباس. أما موقف شباط زعيم الاستقلال، فهو الآخر يستدعي تساؤلات عديدة: هل يتصور
في زعيم الحزب العتيد عدم علمه بمسيرة شعب الفايسبوك في أكبر مدينة مغربية؟ أليست السلفية المتنورة لهذا الحزب العتيد في موقع مناهضة أخونة المجتمع والدولة؟ ألا يعبر هذا الجهل/التجاهل، عن رسالة إرادة اصطفاف معين مع التحكم الأصولي؟
ما يمكن استخلاصه من كل ما سبق، أن مضمون مسيرة الدار البيضاء يساري من منطلق الخصوصية الدينية للبلاد، لكن اتضح أنها لا تنتمي ليسار «البام»
وقد تبرأ منها، ولا ليسار الاتحاد وقد هاجمها، ولا لسلفية الاستقلال وقد تجاهلها.
ويبقى في التحليل أن هذه المسيرة إما أنها مؤطرة بشبهة تنظيمية لليسار الجذري، وهذا ما يجب تطوير التفكير فيه. وإما بشبهة خدماتية ليساريي
بنكيران، وهذا ما يجب فضح الزيف فيه. أما مسألة الترخيص لها فكانت واردة، بالنظر إلى سوابق التعاطي مع الأساتذة المتدربين، بعد تعالي الأصوات الحقوقية ضد استعمال العنف المفرط معهم.
ويبقى في النهاية على شعب الفايسبوك وهو يقيم السياسات العمومية، أن يستوعب الدرس، وهو تنقصه الخبرات التنظيمية، مما حصل على الأرض من تشويس أتباع الحزب الحاكم وتخاذل أحزاب المعارضة في الترافع على نبل أفكار العوالم الافتراضية.
وبالجملة، فإن الوعي الجماعي ضد أخونة المجتمع والدولة، مكتسب وطني يجب تحصينه وتطويره. ولعل رئيس الحكومة قد استوعب الدرس من كون القبضة الأصولية، تنطوي على ريح صرصر عاتية، لذا وجب التنبيه!