الاثنين 24 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

عبد الله جبار: مغاربة إيطاليا.. في الحاجة الى حماية اجتماعية

عبد الله جبار: مغاربة إيطاليا.. في الحاجة الى حماية اجتماعية عبد الله جبار

نسلط الضوء في هذه المقالة على قضية الحماية الاجتماعية للمهاجرين المغاربة بإيطاليا وأسرهم، في سياق الوضع المتحول للهجرة التي تعتبر ظاهرة هيكلية في مجتمع اليوم وفي العقود القادمة. ومن ثمة فإن تطبيق الاتفاقيات بين الدول المصدرة أو المستقبلة لها أصبح يحظى بأهمية كبرى في سياسة البلدان، وكذا في القانون والعرف الدولي، بغية ضبط هذه الحركية، وأيضا حماية حقوق العمال المهاجرين،  وفقا لمبدأ حقوق الانسان، وعلى أساس التعايش والتسامح، المؤدي إلى الاندماج الحقيقي الذي يجب أن يقوم على الحقوق المتساوية التي توفرها البلدان لمجتمعاتها ضد التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتكفل المادي بكل الآثار الناجمة عن الأخطار الاجتماعية، التي تتسبب في انخفاض الدخل للفرد، انقطاعه أو لسبب من الأسباب، كالمرض والشيخوخة وغيرها.

ولأن هذا الدخل هو ثمار فكر وجهد إنساني، فقد أصبحت الحماية الاجتماعية أحد أعمدة العدالة في البلدان الديمقراطية، ومقياسا للرفاه الاجتماعي والاعتناء بالعنصر البشري، وهو ما يمثل أحد التطلعات الإنسانية على مدار التاريخ، ومجالا للصراع السياسي العام. فكيف هو حال المهاجر المغربي في إيطاليا؟ وهل يدخل في حسابات الساسة والسياسة الحمائية؟ 

تعد الجالية المغربية في إيطاليا، من بين أكثر الجاليات عددا، حضورا وإثارة، ولها دور رائد في عملية الإنتاج والاندماج داخل المجتمع.. إذ تجدهم يسجلون حضورا قويا في النقابات، الجمعيات، وكذلك الأحزاب السياسية. حيث يشكلون، بعد الرومانيين، ثاني أكبر جنسية من بين الأجانب. إن وجودهم في هذه البلاد يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، لذلك فالحاجة إلى اتفاق تنظيمي بين إيطاليا والمغرب، فيما يتعلق بالضمان الاجتماعي والمساعدة والصحة، هي أكثر ما يشعر به المغاربة، بل وينتظرون تحقيقه، لما يستشعرونه من مخاطر أصبحت في ظل الركود الاقتصادي شبحا يطاردهم، سواء في عملهم أو حتى في البقاء على التراب الإيطالي. فحسب بعض الإحصائيات، فخلال عام 2013، انتهت صلاحية 146 ألف تصريح إقامة، والتي كانت سارية المفعول حتى 31 ديسمبر 2012: الحصة المستحقة للمغاربة تساوي 7.6٪ (11033 تصاريح)، وتشير الإحصائيات أن عددا كبيرا من المغاربة، والذين ساهموا خلال فترة نشاطهم في الصندوق الوطني للاحتياط الاجتماعي الإيطالي قد عادوا إلى بلدهم دون الاستفادة من ما دفعوه من مستحقات لهذا الصندوق، بسبب غياب أي اتفاق بين البلدين، بخصوص هذا الموضوع.

في هذا السياق كان الأمل معقودا على اتفاقية عام 1994 التي تم توقيعها من قبل إيطاليا والمغرب، وهي اتفاقية ثنائية بشأن الضمان الاجتماعي، لكن على الرغم من ذلك لم تتم المصادقة عليها من قبل الجهات المختصة الإيطالية (البرلمان). فعلى على عكس ما يحدث بالنسبة للتونسيين وغيرهم من البلدان الذين يتمتعون باتفاقية ثنائية، لا يمكن للعمال المغاربة الحصول على تعويضات عائلية للأسرة في المغرب. كما أنه من غير الممكن الاستفادة من مجموع المساهمات الإيطالية والمغربية التي من شأنها أن تسمح بتراكم حقوق المعاش التقاعدي من خلال عدها، مع الاحتفاظ بالخدمات المقدمة. ومن غير الممكن دائمًا في غياب الاتفاق، أن يكون لديك الحق في الحصول على الرعاية الصحية المجانية حتى في ظل نظام متبادل موجّه إلى غير ذلك من الحقوق والمزايا. وبحسب ما يروج، فإنه سيكون من الصعب تحقيق مطلب كهذا في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الحالية، التي تمر منها إيطاليا، وبخاصة وصول التيار الشعبوي اليميني إلى الحكم، الذي طالما ألصق بالمهاجرين تبعات كل الأزمات التي تعرفها إيطاليا، ناهيك عن بعض الإجراءات التشريعية التي يتم العمل بها، وبخاصة القانون 189 لسنة 2002، إذ لم يعد مسموحا تسديد الاشتراكات في حالة الإعادة المبكرة إلا في  حدود سن الـ 65، ووفق شروط يحددها القانون.

إن وضعا كهذا يسائل الجهات المعنية في المغرب عن عدم متابعة هذا الملف الهام، الذي يحصن حقوق الجالية، وعن سبب هذا التأخير في إخراج الاتفاقية إلى حيز الوجود، رغم امتلاك المغرب ما يكفي من وسائل تقوي وضعه في التفاوض لتحسين الشروط الحياتية للعمال المغاربة.. فاتفاقية الشراكة الأورو-متوسطية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المغربية، الموقعة في بروكسل في 26 فبراير 1996، والتي دخلت حيز التنفيذ في 1 مارس 2000، تنص على إنشاء منطقة التجارة الحرة.. تتضمن المادة 65 من

هذه الاتفاقية بندا يحظر التمييز في مسائل "الضمان الاجتماعي"، وإذا كان الجانب "الاقتصادي هو الذي يحظى بالأهمية الكبرى داخل هاته الاتفاقية، بالنظر إلى طبيعة الرهانات المرتبطة به، وإذا كانت الاتفاقية تضع قواعد علاقات جديدة في إطار الشراكة أي الانتقال من سياسة الإعانة إلى سياسة الشراكة المبنية على حقوق والتزامات"، فأين هي حقوق الجالية المغربية؟ وإلى أي حد تحترم بعض الأطراف داخل الاتفاقية التزاماتها، بعيدا عن مشاكلها وحساباتها السياسية الداخلية؟    

قد يبدو للوهلة الأولى أن الأمر قرار سيادي يخص إيطاليا كبلد ديموقراطي، لكن مفهوم السيادة في اتخاد القرارات لها ضوابط وتحكمها قوانين، بل والتزامات بين الدول.. وهنا نستحضر سمو القوانين الدولية على التشريعات الوطنية المحلية. كما نستحضر الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأسرهم، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1990 ولم يصادق عليها بعد أي بلد أوروبي، والتي تعتبر أمرا مهما يمكن فك لغز بقاء اتفاقية 1994 طي النسيان.

إن الحكومة المغربية مطالبة من خلال تصاريحها أمام البرلمان، ومن خلال العمل إلى جانب دول المهجر، على الاحترام التام لجميع حقوق الجالية المغربية ومكتسباتها التي تضمنها الاتفاقيات الدولية أولا، والثنائية بشقيها الجماعي أي مع المجموعة الأوروبية أو الفردية في إطار العلاقات الثنائية مع كل بلد عبر تعزيز وتكثيف التواصل مع حكومات دول الإقامة لطرح مشاغلها واهتماماتها وتوسيع مراجعة الاتفاقيات الثنائية المبرمة مع دول الإقامة في مجال الحماية الاجتماعية، حتى لا تتكرر تجربة هولندا، وهذا يتطلب من الدولة المغربية العمل على تجاوز منطق ظل سائدا إلى يومنا هذا يرتكز على ترك المهاجرين المغاربة وحيدين في مواجهة اكراهات القوانين المجحفة في حقهم رغم وجود مؤسسات رسمية عدة تمول من دافعي الضرائب (المغاربة) تتبنى قضاياهم.

وهنا نتساءل عن مصير الإعلان السياسي الخاص بتقوية وتوسيع الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في مجال التنقل والهجرة والأمن، الذي ينص على العمل على الحفاظ على الحقوق والمكتسبات الخاصة بالحماية الاجتماعية للمواطنين المغاربة وأفراد أسرهم، والذي قال بصدده رئيس الحكومة السابقة السيد بنكيران أنه سيتمخض عنه برنامج عملي تنفيذي للفترة ما بين سنتي 2014 و2017، واعتبارا أن الحكومة الحالية هي استمرارية لسابقاتها -على الاقل كما يقال- لذلك فنحن أمام ظرفية تتطلب منها وعلى وجه الاستعجال تحركا جديدا من أجل ترجمة مضمون التصريح الحكومي إلى أفعال لا مجرد أقوال، وأن ينظر المغرب إلى دول سبقته في معالجة هذا الملف (تونس نموذجا)، حتى لا يبقى قدر مغاربة إيطاليا يراوح مكانه كل هذه المدة.

عبد الله جبار، باحث في قضايا الهجرة، مقيم بإيطاليا