السبت 17 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

صافي الدين البدالي: هل يوجد بلد في العالم كالمغرب يغلق المدارس كي يبني السجون؟

صافي الدين البدالي: هل يوجد بلد في العالم كالمغرب يغلق المدارس كي يبني السجون؟ صافي الدين البدالي

تتزايد في بلادنا مظاهر الجريمة بكل أشكالها وأنواعها من القتل والاغتصاب إلى النشل وترويج الممنوعات، إلى السرقة والفساد والرشوة ونهب الثروات والمال العام، إلى الغش والنصب والتزوير، فامتلأت سجون البلاد بالمجرمين من كل الأصناف حتى ارتفع عددهم إلى 78716 سجينا وسجينة سنة 2016، أي بزيادة 4600 عن سنة 2015، حيث كان العدد هو 74039، حسب المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، ووصل عدد السجناء الاحتياطيين سنة 2016 حوالي 31 ألف و840 معتقلا احتياطيا، إذ يشكلون 40.45 في المائة من الساكنة السجنية. وبلغ عدد السجينات في المغرب إلى غاية متم سنة 2017 ما مجموعه 196 سجينة. هذا ويرغب السيد التامك في الرفع من عدد السجون من 78 إلى 90 في 2020. أمام هذا الوضع ما زالت الحكومة مستمرة في نفس سياسة إنعاش الجريمة دون أية وقفة تأمل في هذه الأرقام المخيفة بالسجون المغربية .

هذه الأرقام تجعلنا نطرح أسئلة حول سبب تزايد عدد المجرمين وعدد السجون: هل ارتفاع عدد السجناء وعدد السجون سيحد من الجريمة ومن أسبابها وتبعاتها؟ هل ظاهرة الاعتقال والمقاربة الأمنية سيساعدان على استتباب الأمن في البلاد؟ ألم يحن الوقت كي تعترف الدولة المغربية بمسؤوليتها في توالد أسباب الجريمة وتوفير شروطها؟

إنها أسئلة تظل أساسية لأنها ترتبط بالإنسان المغربي وبكرامته وبمستقبل الأجيال الصاعدة. ذلك لأن الجريمة وانتشارها وتفاقمها هي ظاهرة مرتبطة بكل مجتمع تسود فيه الأمية والجهل وانعدام الوعي وتسود فيه الكراهية والأنانية وحب التملك والسيطرة.. وحسب  الباحث الإيطالي "فيري" من المدرسة الوضعية الإيطالية، في القرن التاسع عشر، فإنه اعتبر بأن الجريمة هي نتاج لعدة عوامل، عوامل داخلية مثل السن والجنس والتكوين العقلي والبدني للمجرم، وعوامل اجتماعية: الوسط العائلي والحرفة والظروف الاقتصادية من فقر وبطالة، وعوامل بيئية طبيعية مثل المناخ. وقد أعطى فيري للعوامل الاجتماعية أهمية كبيرة، في مؤلفه الذي أصدره عام 1893 عن "علم الاجتماع الجنائي".

وحسب عدد من الدراسات والأبحاث للمدارس الوضعية بفرنسا وبلجيكا وإيطاليا، فإن الجريمة تنشأ وتنمو بفعل الجهل والأمية أساسا، لأنه بهيمنتهما على الوضع الاجتماعي يغيب الوعي وتحل محله الجريمة وتداعياتها.. ومحاربتهما، أي الأمية والجهل، تتجلى في دور المدرسة التي هي المجال الذي تجتمع فيه كل الفئات الاجتماعية والعمرية في إطار منظومة موحدة تؤسس لمجتمع سليم وواع. ولذلك كان الأديب الفرنسي فيكتور هوجو سباقا حينما قال: «من يفتح باب مدرسة يغلق باب سجن»، أي أن للمدرسة دور في الحد من انتشار الجريمة وتطورها إذا توفرت لها الشروط والمتطلبات الضرورية، من بنية تحتية وتجهيزات مناسبة وأساتذة حاملين لمشروع تربوي وعلمي وتصور تعليمي/تعلمي أساسه تنمية القدرات العقلية والمبادرات الإبداعية وتطوير النهج العلمي في التفكير والتحليل والاستدلال والاستنتاج.

فالمدرسة هي المجال الوحيد تاريخيا الذي يرقى بالشعوب إلى عالم العلم والمعرفة وإلى اكتساب الأخلاق والتربية على التضامن والتعاون، فالمدرسة هي التي تنتج الإنسان الإيجابي إن كانت في قلب اهتمام الدولة وإن عرفت تعليما جيدا، فيتخرج منها المثقف العضوي والمهندس المبدع والطبيب الإنساني والقاضي العادل والمحامي الكفؤ والجندي الغيور ورجل الأمن الصادق... أي مجتمع تسود فيه المساواة والعدل والاحترام. وإذا ما تم اعتبار المدرسة كمجال للتجريب وللريع المالي والسياسي وكمجال لتمرير إيديولوجية الدولة تعسفا، فإنها بالمقابل تنتج المثقف الأمي والمهندس المنحرف والطبيب المتهور، وتنتج المتطرف والمنحرف والمتمرد على المجتمع والمكبوت والمعقد، أي مجتمعا يسود فيه البؤس والتخلف والانحراف والتطرف والغدر وتنعدم فيه القيم الإنسانية والأخلاقية، ويغيب فيه الصدق، ويحل محله الغش والنصب والكذب، أي  العملة الرائجة.

فلا عجب إذن مما أصبحنا نعيشه في شوارع مدننا وفي قرانا وفي دواويرنا، والعالم يشفق من حالنا. ألم تدرك الدولة المغربية بأن فشل سياستها التعليمية هو الذي ساعد على نمو الجريمة وارتفاع عدد السجناء؟ هل يوجد بلد في العالم يقوم بإغلاق مدارس ليبني سجونا؟ نعم، يوجد بلد اسمه المغرب، حيث تغلق المدارس وتبنى السجون.. لقد أغلقت مئات المدارس بالمدن المغربية في كل من الدار البيضاء ومراكش والرباط و ...

ألم تعلم الدولة المغربية بأن تكلفة السجين أكثر من تكلفة تلميذ واحد؟

 لقد أخذت دول تغلق السجون وتبني المدارس. وكمثال على ذلك بلد السويد الذي أغلق خمسة سجون بسبب تناقص أعداد المساجين.. وأكد المسئولون بالسويد بأن النظام التعليمي يلعب دوراً محورياً في الحد من انتشار الجريمة، ويعد أهم الوسائل الفعالة في نشر واستتباب الأمن. ثم تأتي ماليزيا التي هي الأخرى راهنت على تعليم جيد للحد من الجريمة.

اليوم تثبت جميع الدراسات والأبحاث بأن انتشار التعليم وتحسين جودته يؤدي بالضرورة إلى الانخفاض في معدل الجريمة وإلى التعايش السلمي والسليم للمجتمع.

- صافي الدين البدالي، فاعل حقوقي وقيادي بحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي