الأربعاء 21 أغسطس 2019
كتاب الرأي

محمد المرابط: إلى أي حد ستفيد أزمة الحراك في الداخل نجاح مسيرة باريس لجمهوريي أوروبا؟

محمد المرابط: إلى أي حد ستفيد أزمة الحراك في الداخل نجاح مسيرة باريس لجمهوريي أوروبا؟ محمد المرابط

مسيرة باريس في 31 مارس 2018، التي دعا إليها جمهوريو الحراك بأوروبا، تستدعي رصد مظاهر مسايرة الديموقراطيين لهؤلاء، وتلمس آفاق التجاوز لهذا الوضع غير المريح لواقع الحراك هناك.

يمكن أن نسجل أولى مؤشرات هذه المسايرة، مع حضور الناشط الحقوقي ببلجيكا، سعيد العمراني، لوقفة Betz الثانية، بجوار الإقامة الملكية. ولم تمنع هذه المسايرة، الجمهوريين من استهدافه المتكرر. بل وذهبت تحاليل متحاملة عليه، إلى اعتبار انسحابه من التنسيقية الأوروبية لمنتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب، فقط ليتخلص من تهمة التبعية للدكاكين، ليتخذ بذلك يدا في قيادة الحراك. لكن ما يحسب للعمراني إعلانه مؤخرا، أمام مواصلة استهداف الجمهوريين له، عن اعتزازه بالانتماء للأسرة اليسارية والحقوقية بالمغرب، وعن تحمله كلفة هذا الانتماء. وكان العمراني قد "اعترف" سنة 2014 "بأن الريفيين أشد قسوة مع بعضهم البعض". ومع هذه القسوة عليه، دعا لمسيرة الجمهوريين بباريس.

المؤشر الثاني، هو تأييد محمد أكريم، مناهضة لجن الحراك بفرانكفورت ودوسلدورف التابعة للجمهوريين، لاجتماع الوزير بنعتيق مع الجالية المغربية بهاتين المدينتين. ولا شك أن هذه المناهضة لا علاقة لها بملف الحراك. وبالرغم من هذه المغازلة تم اعتداء الجمهوريين على عبد المجيد العموري (من مناضلي النهج الديموقراطي). وهذه المسايرة هي نتيجة للمعادلة الجديدة بين التنظيم والشارع، حيث أصبح تحكم الديموقراطيين في تنظيم الحراك، تابعا لتحكم الجمهوريين في الشارع. وقد تجلى ذلك في مناهضة الجمهوريين لوقفة ستراسبورغ أمام البرلمان الأوروبي، حيث لم يتمكن الزفزافي الأب من حضور ندوة بهذا البرلمان حول الحراك، لعدم تمكينه من طرف قنصلية فرنسا بطنجة من التأشيرة.

وتندرج مسيرة باريس ضمن هذه المعادلة، حيث لم يسع مجموعة العمل المنبثقة عن اللقاء الأوروبي الوحدوي في فرانكفورت إلا دعوة "الجماهير الشعبية الى إنجاح جميع الأشكال والأنشطة النضالية الحراكية (..) إضافة إلى مسيرة باريس يوم 31 مارس 2018"، مع دعوة "الجميع إلى توحيد الأشكال من خلال التنسيق والتشاور عوض الانفراد بالقرار مستقبلا".

صحيح أن بلاغ مجموعة العمل، عبر عن العزم، "إلى جانب الجماهير الشعبية على القيام بواجبنا في حماية حراكنا من كل اختراق أو استغلال لصالح أجندات غير حراكية"، ودعوة الجميع إلى "التشبث بمرجعية الحراك الشعبي في الداخل بمطالبه ومبادئه وقادته"، لكن يبقى قدر الديموقراطيين أسيرا لسياسة الأمر الواقع للجمهوريين.

لكن في هذا التاريخ سيلتئم في ستراسبورغ مؤتمر لجن فيدرالية فرنسا لدعم الحراك في أفق التحضير للمؤتمر الأوروبي في باريس، مما يعني عدم حضور ديموقراطيي لجن فرنسا هذه المسيرة. وهذا يبين طبيعة التجاذب بين ديموقراطيي وجمهوريي الحراك بأوروبا.

إذن نحن أمام مأزق جدي في حراك أوروبا، ينضاف إليه "لجوء" الأستاذ البوشتاوي وحضوره هذه المسيرة، حسب تأكيد بلال عزوز. علما أن هناك اتجاها لدى الجمهوريين يروج لفرضية خدمة هذا اللجوء/الهروب، لأجندات مخزنية، لكنه سيتم منح الفرصة للبوشتاوي ليحدد موقفه. وهذا للضغط عليه، لينتظم في ركاب القوم، حتى لا ينحاز للديموقراطيين. وأعتقد أنه ما دام هناك متسع لتدارك الأمور، على البوشتاوي وحتى الزفزافي الابن والأب، التحلي بالحكمة من خلال القطيعة مع بعض مظاهر الاندفاع في مواقفهم، حرصا على عدم الإضرار بالنشطاء.

هذا المأزق لتجاوزه، يتطلب قدرا من المرونة في التعاطي الرسمي مع ملف الحراك، وهو أمر مفقود لحد الساعة. فالتعنت المخزني بإلغاء كل الوسائط الديموقراطية هنا يدعم طروحات الجمهوريين بالخارج، كما يغذي خميرة عدميتهم في الداخل. ولعل هذا الوضع يجعلنا نقف على ما تم تغطيته من شذرات للأستاذين سي محمد اليازغي وسي إسماعيل العلوي، في ندوة: "ماذا تبقى من تجربة التناوب"، التي نظمتها مؤخرا مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد وجمعية المشروع الجديد، بالمكتبة الوطنية بالرباط.

فقد قال سي محمد: "أرى ضبابية كبرى في الوضع الراهن.. حتى الحركات السلمية المهمة التي ظهرت في الريف وجرادة وزاكورة، الجميع يتفرج عليها من أحزاب وحكومة. إذن كيف نفسر هذا، لقد وصلنا إلى وضع سيء جدا"، واعتبر أن التراجعات التي يعرفها المغرب، هي نتيجة إضعاف الأحزاب.

وقال سي إسماعيل: "أظن أن المستقبل غير مشرق، والحالة غير مرضية بالمغرب، إن لم نتحرك قد يتحول الأمر الى ما لا يحمد عقباه"، وأن"المطلوب اليوم هو النقد الذاتي من أجل النهوض".

تقييم هذين الزعيمين من الصف الوطني الديموقراطي للوضع، وهما من رجالات الدولة، لا يمكن تجاهله بالمرة، ويطرح مسؤوليات على الجميع في صف الدولة والمجتمع.

إن الوضع الداخلي يستدعي المراجعة، على أكثر من صعيد. ووضع الديموقراطيين يستدعي تقييما مغايرا. ولعل ختم بلاغ لجنة المتابعة آنفا، بـ:"عاش الحراك الشعبي المبارك في الريف وجرادة وكل مكان"، ووقفة لجنة الشهيد محسن فكري ببروكسيل اليوم مع حراك جرادة والريف، ينطويان بهذا الانفتاح، على مقومات تجاوز حالة الانحسار الحالية في وظيفية حراك الريف بأوروبا.