الأربعاء 19 سبتمبر 2018
كتاب الرأي

مصطفى المتوكل الساحلي: العدالة الاجتماعية والمدخل للتنمية

مصطفى المتوكل الساحلي: العدالة الاجتماعية والمدخل للتنمية مصطفى المتوكل الساحلي

إن سؤال التنمية الشاملة والبحث عن العدالة بكل تجلياتها وتحقيق طفرة نوعية وكمية تستطيع استدراك الفوارق بين دول الشمال ودول الجنوب، أو الدول الرائدة والدول المتخلفة والسائرة في طريق النمو، تتطلب منا جميعا الإجابة عن أسئلة جوهرية طرحها من سبقونا، فقدموا أولويات على أخرى، وتوفقوا وأخفقوا، وخبروا طرق تطوير العلوم والقدرات، وأبدعوا في كيفيات توظيف الطاقات والإمكانيات والثروات، وخاصة البشرية، لجعل الثقافة والوعي التنموي مرجعا في حياة الأفراد والمجموعات والمجتمع والمؤسسات الرسمية والمدنية.

ومن هنا نسائل أنفسنا من كل المواقع والمسؤوليات: كيف نريد أن يكون وطننا ومجتمعنا؟ وأية سياسة، وأي تدبير سنعتمده في حياتنا الرسمية العامة والخاصة وفي حياة مجتمعنا؟ وما حدود وطبيعة الفوارق الطبقية التي ستسفر عنها سياساتنا؟ وأية تنمية نريد؟ هل نريد مجتمعا يصبح فيه الفقر والفقراء والتهميش والإقصاء جزءا من الحياة ومحصلة عادية يمكن التساكن معها والقبول بها تحت أية راية وخلفية ومرجعية؟ هل نريد القطع النهائي مع الأمية وتحقيق بناء المجتمع المتعلم الممتلك لملكة التفكير والتمييز والاختيار والقدرة على الابتكار والاجتهاد والمبادرة؟ وهل يمكن الاستكانة والقبول والسير، والوطن تتزاحمه وتؤرقه الفوارق المتناقضة الطبقية والمجالية، التي تجعلنا باستمرار أمام أوضاع هشة على جميع المستويات، سقطت أمطار أو حل جفاف، وقعت أزمات اقتصادية، أو اختلت التوازنات الاجتماعية؟

إن الفعل التنموي المؤسس لبناء مستقبل قوي هو الذي يجد فيه كل أبناء المتجمع وكل طبقاته بكل مناطقه أنهم من روافد وآليات التنمية، وأنهم الرابح والمستفيد الأساسي من نتائجها الإيجابية، والمتقاسمون تضامنيا السلبيات لأنهم جميعا ساهموا فيها، ولأنهم مسؤولون بوعي للعمل من أجل تصحيح الأخطاء والاختلالات، وتوقيف التراجعات، وتجنيد كل القدرات لتدارك أي تأخر وتخلف حصل، أو أي مساس بالمبادئ الدستورية التي أشير إليها في تصدير الدستور المغربي، والتي لا تتحقق التنمية المطلوبة إلا بها. "إرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة".

إن تعميم التنمية لا يجب تحريكه بسرعات مختلفة ومتباينة، ولا يصح أن يكون متأرجحا بين إصلاحات وإجراءات لحظية جزئية كما وكيفا، وفي علاقتها بنفس الفئات على الصعيد الوطني، وليس من الحكمة جعله مناسباتيا في ارتباط باحتجاجات أو ظرفيات تتطلب ذلك بما في ذلك زرع الأمل. إن بطء سير التنمية وتجزيئها  يوسع شرخ الثقة بين المتضررين من هشاشة التنمية وعدم مواكبتها للمتطلبات وبين الحكومات.. إن العدالة المجالية لا يمكن حصر إقامتها بثروات وموارد المجال المعني، ذلك أن التهميش والخصاص تسبب في الهجرة التي "قوت" وبنت حواضر وساهمت في تطوير الإنتاج بمناطق أخرى في إطار الدورة الاقتصادية، وتسببت في إضعاف وإفراغ العالم القروي من اليد العاملة، مما أدى إلى هدر كبير للموارد والمنتوجات المحلية.

إن المطلوب هو الاتجاه إلى توظيف الثروات والخيرات الوطنية لتحقيق توازن المجالات الترابية المحلية والإقليمية والجهوية في علاقة بالقطاعات المختلفة، إنها تبني وتحقق النتائج المتوخاة إذا كانت قراراتها العملية وحركية مساراتها تقدم إجابات ملموسة يعتبرها سكان كل المناطق ضرورية للنهوض بمختلف مجالات العيش، وضمان التطور المطرد داخل مجالهم وفي علاقة بمقرات إقامتهم وعملهم وأصولهم. وفي هذا الباب أمثلة مهمة لدور عائدات المهاجرين على أوطانهم، بواديهم ومدنهم في علاقة بالعملة الصعبة والحركة التجارية والمساهمة في التنمية الوطنية والمحلية، وكذا عائدات مداخيل أبناء البوادي المهاجرين إلى مدن ومناطق أخرى داخل الوطن في التجارة أو غيرها في التنمية المحلية، بل والمساهمات القوية في إنجاز المشاريع الكبرى وإنشاء البنيات التحتية، وبناء مدارس ومستوصفات -كما تشهد على ذلك  مناطق من سوس خاصة وغيرها-.

إن الفوارق والتباين في مستويات التنمية بين المجالات المختلفة، والتي تتجلى من خلالها اللاعدالة وتحمل معها معطلات ومعيقات تنعكس آثارها سلبا على المنطقة ومحيطها لنصبح أمام مشاكل الهجرة والسكن غير اللائق والمهن والحرف والأعمال الهامشية والدخل الهزيل وغير القار فتتسع رقعة الفقر لتصبح معضلة بمناطق الاستقبال، ولنكون أمام تضخم الهشاشة والنقص الكبير في البنيات التحية والمرافق والتجهيزات العمومية وصعوبة ظروف العيش في المناطق، التي لم يصلها نصيبها العادل من التنمية ..

إن ممارسة العدل وإقرار المساواة لا يتحقق بجعل الخطاب ثوريا ومتقدما ومتعاطفا، أو بادعاء السعي لتحقيق الأفضل.. ولدينا أمثلة مستخلصة من الدول التي تدعي أنها ليبرالية وديموقراطية، وأخرى تدعي أنها اشتراكية وتقدمية، لكنهما لم يترجما برامجهما ووعودهما في الواقع، بل منهم من كرس وفاقم الأزمة وعمقها.. إن الشعور والتمتع بالعيش الكريم ليس منطلقه القناعة الصوفية والزهد، وليس جوابه فقط هو وضع ترسانة من القوانين والتشريعات، ولا عقد العشرات من اللقاءات الوطنية والجهوية والإقليمية والمناظرات العلمية الأكاديمية.. إن الجواب العملي الذي يقنع الناس، هو بأن يشعروا في حياتهم اليومية بأنهم والتنمية مترابطان متكاملان مجاليا ووطنيا، وليسوا معطيات إحصائية ونماذج بشرية يتم التعامل معهم عند الضرورة، عن طريق المساعدات والدعم كان من الدولة أو من "المحسنين" أو بعض هيئات المجتمع التي أصبحت تحترف الاستجداء والتسول بالجملة لتوزعه بالتقسيط ولتوظف ذلك لأغراض سياسوية أو دعوية، غالبا ما ينبه الحقوقيون والقوى الحية إلى أن في الأمر ما يمس بكرامة الفئات المستهدفة، وقد تكون نتائجه سلبية اعلاميا على السياسات العمومية.

إن إقرار العدالة الاجتماعية يتطلب وضع إطار تعاقدي بين الدولة بمؤسساتها والقوى الاقتصادية العامة وشبه عامة، والشركات والخواص، والأحزاب السياسية والنقابات والمجتمع والقوى الحية الإيجابية من مثقفين ومفكرين ومبدعين وخبراء، تعاقد يوثق بشكل علمي وموضوعي الاختلالات والإكراهات والاخفاقات التي طالت وتهدد مسارات التنمية، وتعطل وتعيق العدالة الاجتماعية، وتعمق الفوارق الطبقية، وتكرس التباين السلبي مجاليا، وفي نفس الوقت يضبط كل منابع الثروة وأنواعها وأحجامها وكل الثروات المجمدة.. الخ، ويصنف الجماعات الترابية -جهات وأقاليم وجماعاتـ ويشخص أحوال وأوضاع المدن والدواوير وكل مواقع تواجد التجمعات السكنية، ويقوم بإعداد برامج عمل بأفق واضح ومنضبط يتجاوب إيجابا مع انتظارات ومتطلبات التنمية المستدامة التي تستهدف الفقر والهشاشة والأمية ومستوى الخدمات و... إلخ، التي تحقق التطور والازدهار المنشود، كالذي يراه الناس في العديد من الدول الأوروبية والأسيوية.. هذا التعاقد لكي يكون متماسكا مجاليا وسكانيا وترابيا داخل الجماعة والإقليم والجهة يجب أن يؤطر ويقوم ويراقب ويثمن، حتى لا تتحول بعض أوجه التنمية إلى ريع واسترزاق ووسيلة توظف لابتزاز الدولة وهدر المال العام وتوظيفه لأغراض سياسوية تسعى للتحكم في آليات التنمية والتحكم في الناس.. وهذا يطرح أكثر من سؤال يتطلب إجراء دراسة معمقة نقدية وافتحاصية تقف على مدى جدية ومصداقية وخلفيات تأسيس وطبخ وتفريخ  جمعيات، حيث يتعدد انتماء أفراد إلى أكثر من مكتب وجمعية، واحتمال تعدد  الاستفادة من برامج تطلقها مؤسسات الدولة أو قطاعات حكومية و الجماعات الترابية، على سبيل المثال.

إن السياسات المعتمدة هي التي تحدد وتصنع الفقر وتوسع دائرته أو تلغيه، حتى يصبح استثناء يتحكم في معالجته، وهي التي تصنع النمو أو تزرع المعيقات وتتسبب في الاختلالات وتهيئ أجواء التوتر والاضطرابات والحركات الاحتجاجية والاحتقان بكل تمظهراته.. إن سقف الحرية الاقتصادية لا يجب أن يكون على حساب العيش الكريم والمستوى المعقول لظروف عيش الناس، فالرأسمال الذي ينصب اهتمامه على توسيع  الأرباح والإثراء الفاحش والإغراق في الكماليات لا يولي أهمية للعدالة الاجتماعية، ولا لاتساع الفوارق الطبقية ولا المجالية، كما لا يتعامل مع الإنتاج والثروة بنظرة تستوعب آليات المد والجزر، ووفرة وجفاف ينابيع بعض الثروات التي قد تدخل مناطق في فقر وبطالة واختناق اجتماعي... إن التوافق على برامج عمل كانت مجتمعية أو حكومية لا يعني  بالضرورة التغلب على اللاتوازن الاجتماعي والسياسي، وقد يكون عاملا مولدا  للتأزيم بسوء التقدير والتصرف وعدم القدرة على ترتيب الأولويات بشكل موضوعي بما يتطلبه الأمر من أجل تحفيز انخراط الفقراء والمهمشين في التنمية... إن ضعف تحقق نتائج إيجابية مطمئنة للجميع، يدل على أن الدراسات والبرامج التي أسست عليها ليست واقعية ولا عملية لأن معيار الجدوى لم يكن كما خطط له، وقد يكون مرد ذلك إلى أنها معزولة في الزمان والمكان والغايات، ولا تتكامل مع كل المبادرات والإرادات فتتعارض وينقض بعضها بعضا، وتتعطل مسارات التنمية وتتضاعف وتتعقد الإكراهات والإشكالات بسبب غياب رؤية نقدية بناءة مرنة تبني وتعالج وتصحح  وتقيم وتثمن  المتوقع وحتى غير المتوقع  للوصول إلى العمل الأفضل.

إن العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة عمل تطبيقي لحقيقة إيماننا بالمبادئ التي ندافع عنها ونقدمها كقواعد عمل وأبواب للرخاء والتقدم والازدهار.. فإن لم نحقق ما نبشر به الناس ونعمل من أجله كحكومة أو هيئات أو مؤسسات، فالمشكل ليس في المبادئ بل فينا نحن.