الاثنين 25 يونيو 2018
كتاب الرأي

كريم مولاي:الحكمة المغربية في مواجهة الغيرة السياسية لدول الجوار

كريم مولاي:الحكمة المغربية في مواجهة الغيرة السياسية لدول الجوار كريم مولاي، ضابط سابق في المخابرات الجزائرية

أعاد قرار محكمة العدل الأوروبية الأخير بشأن اتفاقية الصيد البحري الموقعة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، الجدل بشأن مصير مساعي الأمم المتحدة لحل هذه الأزمة المستفحلة منذ سبعينيات القرن الماضي.

لم يحمل القرار الأوروبي جديدا، ولم يكن مفاجئا بالنظر لطبيعة الضغوط التي تمت ممارستها على الأوروبيين من بعض الدوائر المعروفة بخلافاتها مع الرباط، وأعني هنا تحديدا النظام الجزائري، وبعض أنصاره في إفريقيا.

لكن الجديد في هذا القرار، أنه يكشف طبيعة الصراع في ملف الصحراء، وأنه لا يتعلق فقط بطرفين هما الرباط وجبهة "البوليساريو"، وإنما بأطراف إقليمية لها مصلحة في إضعاف المغرب، والاستمرار في استنزاف طاقاته في معارك قانونية دولية من شأنها أن تعرقل مسيرته التنموية، وتزيد من أعبائه الاقتصادية والأمنية.

ولقد كان لافتا للانتباه، أن هذا القرار تزامن مع محاولات لبعض الأطراف الإقليمية، والدولية، بما في ذلك المبعوث الجديد للأمم المتحدة للصحراء، الألماني هورست كولر، من أجل الدفع باتجاه حوار مباشر بين الرباط ووفد "البوليساريو" في وقت لا يبدو أن هذه الأخيرة لها جاهزية لمثل هذه المفاوضات.

وربما لهذا السبب، أعلنت الرباط أنها ليست معنية بحوار مباشر مع "البوليساريو"، وأنها أيضا ليست قلقة بشأن القرار الأوروبي، كما أعربت عن انفتاحها للحوار مع الأوروبيين بما يضمن مصالحها كما مصالح الأوروبيين.

هذا ظاهر الأشياء، الذي يمكن للمتابع أن يسجله، لكن العارف بخبايا ملف الوحدة الترابية المغربية، ومساعي النظام الجزائري، الذي يستخدم "البوليساريو" أداة سياسية له، يدرك أن المصاعب التي يواجهها المغرب في هذا الملف تحديدا، سببها قرار من النظام الجزائري، قديم يرفض أن يكون المغرب قويا، ويسعى للحفاظ على هذا الملف مفتوحا لأجل ذات الهدف.

لعل اللافت للانتباه في القرار الأوروبي، الذي أعتقد أن تأثيره رمزي أكثر منه اقتصادي واقعي، أنه قد يوحي بأن الموقف الدولي، حتى من أصدقاء المغرب من الأوروبيين غير مستعدين في تجاوز ملف لا يزال بيد الأمم المتحدة.

وربما أهميته، أنه يأتي بينما خطت الرباط خطوات مهمة في سياق إعادة رسم علاقاتها الإفريقية، ولا سيما مع منظمة الاتحاد الإفريقي، بعد أن استعادت موقعها ضمن مؤسساته، ويعكس نوعا من "الغيرة السياسية" التي يشعر بها النظام الجزائري، لا سيما بعد التقارير الاقتصادية المتزايدة، التي أشادت بالنموذج التنموي المغربي، مقارنة بأزمة اقتصادية خانقة تعيشها الجزائر الغنية بالنفط والغاز.

ولعله، لهذه الأسباب المعلومة للعارفين بشؤون دول المغرب الكبير، سرعان ما انتهى الجدل بشأن قرار محكمة العدل الأوروبية، لجهة استعادة الحديث عن مصير المشاورات، التي لا تمتلك جهة سياسية مقاربة جدية مثل تلك التي قدمتها الرباط، ممثلة في الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، التي لا تزال هي الاقتراح الأكثر قربا من التحقق على الأرض.

كريم مولاي، معارض جزائري، وخبير أمني، منشق عن المخابرات الجزائرية