الثلاثاء 20 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

يزيد البركة: لماذا لا تبدأ الخطوات الأولى للاشتراكية من جنوب المغرب؟

يزيد البركة: لماذا لا تبدأ الخطوات الأولى للاشتراكية من جنوب المغرب؟ يزيد البركة

بغض النظر عن موقف المفوضية الأوروبية الغير الراضي تماما عن حكم المحكمة الأوروبية من اتفاق الصيد البحري مع المغرب، فإن الاتحاد الأوروبي سيجعله كسيف ديموقليس على رقبة المغرب بابتزازه في كل المفاوضات المقبلة حول الصيد البحري والفلاحة وكل ما يتضمن الانتاج المبلور في الصحراء.

إذا غضضنا الطرف عن الأهداف السياسية الكامنة وراء الحكم وهي الضغط على المغرب في وحدة أراضيه لتحقيق المزيد من التبعية لأوروبا، فإن السند الأساسي الذي بنت عليه المحكمة قرارها حول القانون الدولي، هو في الحقيقة مصادرة على المطلوب واستباق للحل الموضوع على السكة لتخريبه حتى لا يتم.. لقد صرح المغرب مرارا أنه لا طمع له في ثروات المنطقة الصحراوية، بل هو ينفق حاليا فيها أكثر من عائدات هذه الثروات. وبالرجوع لبنود المقترح الذاتي للمغرب في الصحراء نجده يؤكد على أن يباشر السكان تسيير وتدبير كل شؤونهم في جميع المجالات دون أي استثناء، ولا تتوفر الدولة إلا على ما يتعلق بمقومات السيادة .

مع التطورات الحالية لا يمكن للمغرب أن يبقى ينتظر متى ستكف مافيات المؤسسة العسكرية  الجزائرية وأعوانها عن الطمع في ثروات الصحراء للعبث بها كما تعبث بثروات الشعب الجزائري، ولا يمكنه أن ينتظر متى ستكف الدول الطامعة في المنطقة من حبك مؤامراتها، بل يجب عليه  أن يبادر بخطوات أولية في تنفيذ عدد من بنود الحكم الذاتي وإرجاء الحكومة المحلية والبرلمان المحلي إلى ما بعد الحل السياسي الذي يرعاه مجلس الأمن .

إن المنفذ الوحيد الآن الذي تحاول الجهات المناوئة لحقوق المغرب النفاذ منه هو ثروات المنطقة باستعمال لغة وممارسة شعبويتين لكسب التعاطف أمام الرأي العام وإظهار المغرب بمظهر بلد يستغل الثروات ويسرقها، لذا فإن الجواب العملي الذي يمكنه أن يعزز موقع المغرب أمام الرأي العام المحلي والدولي، والذي يمكنه أن يتجاوز ضغوط الدول الطامعة بصفة نهائية، هي تحويل تلك الثروات لفائدة الساكنة الصحراوية من الآن، بدل انتظار الحل السياسي. فلنقلب المعادلة بتنفيذ الحل الاقتصادي في انتظار الحل السياسي، ومن شأن هذا الحل أن يقنع الساكنة بضرورة الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في أي حل سياسي مقبل وأن ينخرطوا في كل المعارك المقبلة دفاعا عن نموذج تنموي يعيشون نتائجه .

لقد دأبت التصورات السياسية للفكر الاشتراكي على تصور كان يقول أن السلطة السياسية ضرورية لتطبيق التصورات الاقتصادية والاجتماعية وهذا ما يزال صحيحا على العموم، غير أن الواقع المتأزم للعلاقات الاقتصادية دفع إلى اللجوء باحتشام إلى تبني العلاقات الاشتراكية للتنفيس عن الضغط المتزايد داخل المجتمعات.. فحتى في أمريكا بلد الرأسمالية المتوحشة بعض المراكز الحضرية الصغيرة البعيدة عن المدن الكبرى نجد سكانها يلجؤون إلى العلاقات الاشتراكية لتنظيم حياتهم وتسييرها وتدبيرها بشكل جماعي، وفي تشياباس، جنوب شرق المكسيك سمحت المكسيك لقبائل الثائر زاباتا بحكم ذاتي قائم على مبدأ تسيير شؤونهم وتدبيرها في كل المجالات منذ 1994 التاريخ الذي ثارت فيه هذه القبائل مرة أخرى ضد المافيات الطامعة في أراضيهم، ومنذ ذلك التاريخ توقف الاحتقان وبدأت الساكنة في تجسيد تنميتها على أساس المشاركة الواسعة للساكنة .

صحيح أن السلطة السياسية مرتبطة بتطبيق عدد من القضايا مثل الحرية والكرامة والمساواة أمام القانون.. غير أن الاشتراكية في نهاية المطاف تعني أيضا وأساسا حل التناقض بين الطابع الاجتماعي للعمل وبين الطابع الفردي للملكية، وإن وضع ثروات منطقة في يد ساكنتها تدبرها وتسيرها لهو خطوة أولى نحو العلاقات الاشتراكية، فلماذا لا تبدأ هذه العلاقات من الصحراء نحو باقي المناطق؟

الصحراء الآن تتوفر على جهتين منتخبتين، من شأن إيجاد مؤسسة مشتركة بينهما لهما نفس الصلاحيات الممنوحة للجهة في القوانين الحالية مع تحويل الدولة للثروة البحرية والثروة المعدنية للساكنة، أن يجعل تلك المؤسسة بمثابة المتصرف نيابة عن السكان في تسيير وتدبير الثروة، بأن يكون لها حق منح رخص الصيد وسحبها، وأن يكون لها حق إبرام العلاقات التجارية والاقتصادية وغيرها مع أي طرف تراه يقدم أحسن مردود للساكنة .

هذا الحل سيخفف عن الدولة أعباء الدعم والمساعدة التي تقدمها للجماعات كل سنة من مداخيل الضريبة على القيمة المضافة، وسيخلق أملا جديدا للساكنة في المستقبل، وسيدفع إلى الاقبال الشديد على المشاركة في الانتخابات لأن نتائجها حاسمة في اقتصاد الجهة، ونجاح التجربة سيؤدي إلى دفع الجماعات والسكان في المناطق المحاذية للبحر أو التي بها مناجم أن تطالب بتحويل ملكية الثروات لها، كما أن الحل سيحبط مؤامرة الخصوم الرامية إلى خلق أزمة مع الساكنة بأن يحول الأزمة إلى تندوف ويجعل السكان الصحراويين يقتنعون أن الثروة في الصحراء تنتظرهم ما عليهم إلا الالتحاق والمشاركة في تدبيرها وتسييرها لتترك الاقلية هناك مع المافيات العسكرية يضربون أخماسا في أسداس .

في ظل أزمة الرأسمالية عالميا واحتداد الصراع حتى بين الرأسماليات نفسها على مصادر الثروة وعلى السوق، فإن أي مراهنة على نموذج للتنمية بالأسس الرأسمالية هو نموذج فاشل برهن لعقود على فشله وسيفشل مرة أخرى.. لذا فإن تحكم المواطنين في ثروات مناطقهم هو السبيل الوحيد نحو حل اشكالات التنمية وهو السبيل الوحيد لوضع حد لكل أنواع الريع والفساد والنهب والسطو.

إن أزمة الصيد البحري في المغرب الذي هو في يد المافيات وفي يد الرأسمال الدولي، هي في عمقها أزمة البرجوازية المغربية لأنها هجينة وضعيفة ولو كانت قوية لكانت هي التي تتولى منذ البداية هذه الثروات البحرية، أما الاقطاع فهو أصلا لا يأكل الحوت والسمك ولا يعطيه أية أهمية، ولما تداخلت البرجوازية الهجينة مع الاقطاع ليخدموا الرأسمال العالمي ويشكلوا كومبرادورا ذاق الثروات البحرية ليس للتحكم فيها من أجل المجتمع، بل لتقاسمها مع الرأسمال الاجنبي. لذا فإن المطالبة بتحويل الثروة البحرية لفائدة الساكنة من خلال المؤسسات التمثيلية عوض المافيات والسماسرة، وعوض التقاسم مع الأجنبي هو المدخل الأساسي للتفكير في نموذج جديد للتنمية .