الخميس 21 فبراير 2019
كتاب الرأي

علال البصراوي: استعمال السلطة، وسيلة من وسائل تحقق جريمة الاتجار بالبشر (2)

علال البصراوي: استعمال السلطة، وسيلة من وسائل تحقق جريمة الاتجار بالبشر (2) علال البصراوي

بعد أن تطرقنا في الحلقة الأولى لتعريف الاتجار بالبشر، والإطار العام لقانون مكافحته، وخصائص هذه الجريمة، وتحليلها من الناحية القانونية، وكذا ركنها المادي، ننتقل إلى تبيان وسائل تحقق الفعل الجرمي للاتجار بالبشر، ويمكن إجمالها في التالي:

1- الإكراه أو القسر: هو كل ما يجعل الإنسان يأتي فعلا دون إرادته وذلك بالتأثير عليه بحيث تنعدم إرادته او تضعف إلى الحد الذي يجعله أمام اختيار وحيد هو القيام بالفعل الذي يريده من قام بإكراهه. والإكراه إما مادي كاستعمال القوة أو إعطاء المجني عليه مخدرا مسكرا أو معنويا. ويتحقق الإكراه المادي في جريمة الاتجار بالبشر بتحقق شرطين:

الأول: ألا يتوقع المجني عليه الإكراه المادي من الجاني وألا يكون في استطاعته توقعه.

الثاني: عدم قدرة المجني عليه مقاومة ذلك الإكراه المادي، فإذا كان بإمكانه مقاومته ولو جزئيا بما يرفع عليه الإكراه وإعدام إرادته ولم يقاومه فإن وسيلة الإكراه المادي لا تتحقق، وبالتالي ينهار الركن المادي ومن تم الجريمة بأكملها.

أما الإكراه المعنوي فهو الذي يتوجه إلى نفسية المجني عليه لإضعاف إرادته وجعله يخضع لإرادة الجاني فيتم استغلاله في الدعارة أو السخرة او الخدمة قسرا.

2- التهديد بالقوة أو باستعمالها: إن استعمال القوة ما هو في حقيقة الأمر إلا الإكراه المادي أو القسر المتحدث عنه سابقا. أما التهديد بالقوة فيعني كل اسلوب يستعمله الجاني من خلال الكلام أو الحركات أو الإيماء، من شأنه إلقاء الرعب والخوف في نفس المجني عليه بسبب إيذاء يراد إلحاقه بشخصه أو بماله أو بشخص آخر يهمه أمره أو بماله. ومعنى ذلك أن الإيذاء قد يصيب جسمه أو حريته أو حرمته أو عرضه أو شرفه أو ماله أو جسم أو شرف أو حرمة أو عرض شخص يهمه، كما لو كان التهديد بإيذاء أحد أفراد عائلته إن لم يخضع لإرادة الجاني.

3- الاختطاف: ويتم الاختطاف بنقل المجني عليه من المكان الموجود فيه إلى مكان آخر واحتجازه فيه وخفاؤه عن الغير، ويتحقق ذلك بغض النظر عن طريقة الاختطاف سواء أحصل ذلك خلسة أو عن طريق الحيلة والخداع. أما لو انتقل المجني عليه مع الجاني برضاه أو إنه كان بإمكانه أن يستنجد بالغير، لكنه لم يفعل، فإن وسيلة الاختطاف لا تتحقق ومن تم الركن المادي ككل.

4- الاحتيال: يعني في الركن المادي لجريمة الاتجار بالبشر استعمال الجاني لادعاءات كاذبة مدعمة بمظاهر خارجية لتضليل المجني عليه، كما لو نشر الجاني إعلانا يطلب فيه فتيات للقيام بعرض أزياء في مكان ما، فيجدن أنفسهن في مكان يتم فيه حبسهن واستغلالهن في الدعارة أو السخرة أو الخدمة قسرا.

5- الخداع: رغم أن المادة الثالثة من البروتوكول المذكورة أعلاه، وكذا مختلف التشريعات المقاربة اعتمدت وسيلة الخداع إلى جانب الاحتيال، فإن الأمر لا يعدو أن يكون تكرارا لنفس المعني، فالاحتيال جنائيا يكاد يطابق الخداع.

6- استعمال السلطة: يؤخذ مفهوم السلطة في هذا المجال على إطلاقه، وذلك يعني أي شكل من أشكال التبعية التي تكون للمجني عليه تجاه الجاني، كسلطة الأب على أولاده حين يستعملها فيقوم بالاتجار بهم نتيجة الفقر أو الفاقة أو الجشع والطمع، أو سلطة صاحب المنزل على خادمته فيقوم بالاتجار بها باستغلالها في الدعارة عوض الأعمال المنزلية، أو سلطة رب العمل على عماله فينقلهم إلى مكان آخر لاستغلالهم في السخرة عوض عملهم العادي.

7- استغلال حالة الضعف أو الهشاشة أو الحاجة: وكما تعني هنا حالة الضعف والهشاشة الوضعية المادية، فإنها تعني أيضا الحالة الصحية، كما لو كان المجني عليه عاجزا عن إبداء المقاومة والاستغاثة لعلة أو عاهة أو مرض أو كون المجني عليه طفلا أو مسنا عاجزا عن المقاومة.

8- إعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو منافع أو مزايا: ويتم ذلك بقيام الجاني بتقديم مبلغ مالي لشخص يقوم بإقناع شخص ثالث له سيطرة عليه من أجل الاتجار به أو استغلاله بأية صورة من صور الاتجار بالبشر، أو العكس، تتم بتلقي الجاني مبلغا ماليا من شخص من أجل الحصول على موافقة الضحية للاتجار به.. وكما يتم ذلك بمبلغ مالي، فإنه قد يتم بأية مزية لها قيمة مادية أو معنوية صالحة للتقييم ولكي تكون بدلا.

موضوع الاتجار بالبشر عنصر أساسي في الركن المادي للجريمة.

وبالتأكيد فإنه في كل المواثيق الدولية ذات الصلة والقوانين المقارنة، فإن موضوع الاتجار بالبشر يجب أن يكون إنسانا. والمعيار القانوني في اعتبار الانسان يحصره من تمام ولادته حيا إلى حين وفاته، وهذا جعل بعض الفقه يستبعد انطباق مقتضيات الاتجار بالبشر على الإنسان بعد موته باعتبار الأمر يصبح متعلقا بمجرد جثة، وأيضا عدم انطباقها عن الجنين في بطن أمه طالما أنه لم يخرج إلى الحياة حيا.

لكننا بخلاف ذلك نرى أن الكرامة متأصلة في الإنسان ولصيقة به منذ تكونه كجنين وحتى بعد وفاته. وهذا ما جعل القوانين تأخذ بعين الاعتبار في أحكامها وجود جنين في بطن الأم في مسائل عدة، كالزواج والإرث وغيرهما. كما وضعت أحكاما لحماية حرمة الموتى وجرمت كل الأفعال والسلوكات التي تمس كرامة الإنسان حتى بعد موته كنبش القبور وغيره.

ومن جهة أخرى إذا كان نزع عضو من الإنسان والمتاجرة فيه يدخل في نطاق الاتجار بالبشر، فإنه يكون من الأولى والأحرى انطباق تلك المقتضيات على المتاجرة في جنين أو جثة إنسان. وإذا كان الأمر كذلك، وأن موضوع جريمة الاتجار بالبشر هو الإنسان كلا أو جزءا، فإنه غني عن البيان ألا عبرة بلون بشرة ذلك الانسان أو جنسه أو عرقه أو موطنه أو سنه أو مستواه الاجتماعي أو دينه، وما إذا كان له نسب أم لا، وما إذا كان في صحة جيدة، أم أنه مريض وميؤوس من علاجه. والعبرة في الأمر كله أن يكون إنسانا.

القصد الجنائي في جريمة الاتجار بالبشر

بالإضافة الى الركن المادي وتفاصيله المذكورة أعلاه، يتعين توفر الركن المعنوي للجريمة، أي القصد الجنائي. والقصد في هذه الجريمة قصد جنائي عام وقصد جنائي خاص. وإذا كان القصد العام ينصب على علم الجاني بكونه يرتكب الجريمة بمعناها المذكور، كما ينصب على الارادة، أي أن الجاني يرتكب الجريمة بإرادته وإدراكه التام.

إذا كان الأمر كذلك في القصد العام، فإن الأمر أهم في القصد الجنائي الخاص كونه ينصب على كون الجاني يقصد من الأفعال التي قام بها والمفصلة أعلاه، وخاصة تجنيد المجني عليه أو استدراجه أو نقله أو تنقيله أو إيوائه أو استقباله، إنما يهدف من ذلك إلى استغلال المجني عليه. ويتخذ الاستغلال صورا عدة لا يمكن حصرها، وإنما يمكن ذكر بعضها على سبيل المثال أو كما جاء في المادة الثالثة من البروتوكول المذكورة أعلاه "... ويشمل الاستغلال كحد أدنى، استغلال دعارة الغير...".

أو كما نصت المادة 1- 448 في القانون الجنائي المغربي: يشمل الاستغلال جميع أشكال الاستغلال الجنسي، لاسيما استغلال دعارة الغير والاستغلال عن طريق المواد الإباحية بما في ذلك وسائل الاتصال والتواصل المعلوماتي، ويشمل أيضا الاستغلال عن طريق العمل القسري أو السخرة أو التسول أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو نزع الأعضاء أو نزع الأنسجة البشرية أو بيعها، أو الاستغلال عن طريق اجراء التجارب والأبحاث الطبية على الأحياء أو استغلال شخص للقيام بأعمال إجرامية أو في النزاعات المسلحة.

وسنقف لاحقا عند بعض أهم صور الاستغلال، وهي في ذاتها تعكس بعض أخطر الصور للاتجار بالبشر، وإن كانت هذه الجريمة خطيرة وبشعة في كل صورها..