الجمعة 16 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

علال البصراوي: الاتجار بالبشر في القانون المغربي والمقارن (1)

علال البصراوي: الاتجار بالبشر في القانون المغربي والمقارن (1) علال البصراوي

إذا كان المغرب قد سن مؤخرا قانونا لمكافحة الاتجار بالبشر (القانون رقم 14-27)، فإن ذلك قد جاء لسد فراغ كبير في مجال السياسة الجنائية، من جهة لكثرة وخطورة نشاط العصابات الاجرامية التي تتاجر بالبشر كجريمة عابرة للحدود، يمكن أن تطال اية دولة مهما كانت يقظتها الأمنية، ومن جهة أخرى كون المغرب سن سياسة جديدة في موضوع الهجرة من ركائزها وضع وتعديل بعض القوانين خاصة القانون المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمغرب والهجرة غير المشروعة (القانون 03-02) والقانون المتعلق باللاجئين والقانون موضوع دراستنا والمتعلق بالاتجار بالبشر.

وبهذا القانون يكون المغرب قد لحق بصنف العديد من الدول التي وضعت قوانين تتصدى لظاهرة الاتجار بالبشر، والتي سايرت إلى هذا الحد او ذاك المجهود الدولي في هذا المجال والذي يترجمه إطار مرجعي حقوقي هام تمثله عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة في الموضوع، والملاحظات والتوجيهات والتقارير الصادرة عن أجهزتها المتخصصة وكذا عدد من الاتفاقيات ذات الطبيعة الاقليمية.

إذا كان هذا هو الاطار العام لقانون مكافحة الاتجار بالبشر، فما معنى أصلا الاتجار بالبشر؟ وما خطورة جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية؟ وما هي تفاصيل القانون المغربي الجديد (القانون 14-27) المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر في ضوء القانون المقارن في نفس الموضوع والمرجعية الدولية لحقوق الإنسان؟

- تعريف الاتجار بالبشر

بالرغم من وجود عدد من التعريفات المختلفة بينها في بعض الجزئيات، فإن التعريف الأكثر تداولا هو ذلك الذي تضمنته المادة الثالثة من بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال المكمل الاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لسنة 2000، والذي يصنف جريمة الاتجار بالبشر باعتبارها "تجنيد الأشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بواسطة  التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من اشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استعمال السلطة أو إساءة استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر  لغرض الاستغلال.

ويشمل الاستغلال كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق او الاستعباد أو نزع الأعضاء".

أما فقهيا، وبتجميع عدد من الاجتهادات في هذا المجال يمكن القول أن جريمة الاتجار بالبشر هي كل سلوك يحول الانسان أو أحد أجزائه الى مجرد سلعة أو ضحية يتم التصرف فيها مباشرة أو بواسطة وسطاء محليا أو عبر الحدود الوطنية بقصد استغلاله في أعمال بأجر متدن أو في اعمال جنسية أو ما شابهها، سواء كان ذلك باستخدام الضحية أو نقلها أو اخفائها أو تسليمها عن طريق التهديد أو الاختطاف واستخدام القوة والتحايل أو الاجبار أو أخذ أو اعطاء مقابل لاكتساب موافقة شخص يسيطر على شخص آخر بهدف الاستغلال الجنسي أو الاجبار على القيام بالعمل.

- خصائص جريمة الاتجار بالبشر

من خلال ما سبق فإن جريمة الاتجار بالبشر تتميز بعدة خصائص أهمها:

أ – انها جريمة منظمة: إذا كانت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لم تعط لكلمة المنظمة تعريفا، فإنها بالمقابل عرفت الجماعة الإجرامية المنظمة بأنها "جماعة ذات هيكل تنظيمي مؤلفة من ثلاثة اشخاص أو أكثر، موجودة لفترة من الزمن وتعمل بصورة متظافرة بهدف ارتكاب واحدة أو أكثر من الجرائم الخطيرة أو الأفعال المجرمة وفقا لهذه الاتفاقية من أجل الحصول بشكل مباشر أو غير مباشر على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى".

كما تجدر الإشارة إلى تعريف الجمعية العامة للشرطة الدولية "الأنتربول" للجريمة المنظمة بكونها "النشاط المستمر المخالف للقانون والذي يقوم به كيان منظم ويسعى إلى تحقيق هدفه الاجرامي ولو يتجاوز حدوده الوطنية".

ب – جريمة مركبة: أي أن ركنها المادي يتكون من أكثر من فعل أو يتكون من أفعال ذات طبيعة مختلفة يصلح كل منها ليكون بذاته جريمة (كالاختطاف المقترن بالاغتصاب).

وفي جريمة الاتجار بالبشر يكون التهديد أو الاختطاف أو الاحتيال وسيلة لارتكاب أفعال أخرى هي النقل أو التجنيد أو الايواء أو الاستقبال فنكون أمام جريمة واحدة مركبة هي جريمة الاتجار بالبشر.

ج – جريمة مستمرة: أي أن عناصر الجريمة تستغرق زمنا ولا تتم دفعة واحدة قتل الضحية أو إيواؤها أو استقبالها أو تجنيدها للاستغلال في الدعارة أو العمل القسري أو غيره تحتاج وقتا ليتم، وبالتالي فعنصر الزمن أمر جوهري في جريمة الاتجار بالبشر.

الجرائم الواقعة على الأشخاص: ذلك أن موضوع جريمة الاتجار بالبشر هو الإنسان الذي يقع عليه الاعتداء بنقله من قبل الجاني أو تجنيده أو إيوائه أو استغلاله كليا أو على جزء منه أو عضو من أعضائه.

هـ – من الجرائم العمدية: هي عمدية لأنه يصعب ارتكابها من طرف شخص أو أشخاص عن طريق الخطأ أو الإهمال، فكل الأفعال المشكلة لركنها المادي (النقل أو التجنيد أو الإيواء أو الاستقبال..) تتم عن طريق القصد والعمد ولا يمكن حدوثها بخلاف ذلك.

- التحليل القانوني للجريمة:

طالما ان جريمة الاتجار بالبشر هي جريمة عمدية ولا يمكن تصور ارتكابها بدون قصد جنائي (الركن المعنوي للجريمة).

وبالنظر الى النصوص القانونية المجرمة لفعل الاتجار بالبشر في كل القوانين المقارنة كما في القانون الوطني (الركن القانوني)، فإن الأهم في النقاش في تحليل هذه الجريمة هو الركن المادي والركن المعنوي.

ويتكون الركن المادي لهذه الجريمة من ثلاثة عناصر: الفعل الجرمي والوسائل المعتمدة في ارتكاب ذلك الفعل ثم محل الجريمة، أي موضوعها وهو بالضرورة الإنسان أو أحد أجزائه.

أولا: الفعل الجرمي:

كما هو واضح في تعريف المادة الثالثة من البروتوكول الخاص بمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص المشار إليها أعلاه، فإن الفعل الجرمي في جريمة الاتجار بالبشر يتمثل أساسا في: التجنيد أو النقل أو التنقيل أو الإيواء أو الاستقبال.

وجل القوانين اعتمدت هذه الأفعال كأساس للركن المادي في هذه الجريمة، وبعض القوانين أضافت بعض الأفعال الأخرى كما هو حال القانون المغربي كما سنوضح لاحقا.

ونقف عند كل فعل في هذه الأفعال:

1- التجنيد: ليس المقصود بالتجنيد هنا تجميع الضحايا قصد إلحاقهم بالجيش كما يدل المصطلح لغة، وإنما المقصود تعبئة الضحايا والعمل على إقناعهم بكل الوسائل الذهنية والعاطفية والمادية لاستغلالهم في الدعارة أو السخرة أو الخدمة قسرا أو الاسترقاق وما شابهه.

2- النقل: يتحقق فعل النقل المكون للركن المادي في جريمة الاتجار بالبشر عندما يتم رغما عن إرادة المجني عليه وقد يكون ذلك باستعمال القوة أو بالتهديد باستعمالها. ولا يشترط في عملية النقل استعمال وسيلة معينة لقيام فعل النقل بل المهم ترحيل الضحية من المكان الذي تقيم فيه إلى مكان آخر قصد الاستغلال.

3- التنقيل: يقصد بالتنقيل نقل المجني عليه بالقوة أو التهديد بها من المكان الذي يقيم فيه عادة إلى المكان الذي يتم فيه استغلاله. وما دام فعل النقل المشار إليه سابقا في هذه الجريمة لا يتم أصلا بإرادة المجني عليه وإنما يتم بالضرورة بدون إرادته، فإن إضافة فعل التنقيل كفعل مستقل في تعريف الجريمة لا مبرر له.

وقد انتقل هذا التكرار الغير المبرر من المادة الثالثة من البروتوكول إلى العديد من قوانين الدول بما فيها القانون المغربي (المادة 1-448 ق ج).

4- الايواء: يقصد بفعل الإيواء قيام الجاني بتوفير مكان لإقامة المجني عليه وإخفائه عن الأنظار سواء كان ذلك المكان منزلا أو سواه. ويجب أن يكون ذلك بإرادة صاحب ذلك المكان مع علمه بالقصد من الايواء، أما إذا كان ذلك رغما عن إرادته، أو بالاحتيال عليه كما لو ادعى الفاعل كذبا أن الأطفال المخطوفين أولاده ويريد إيواءهم بذلك المنزل، فإن فعل الإيواء كفعل جرمي لا يتحقق في جانب صاحب المنزل.

5- الاستقبال: يتميز فعل الاستقبال عن فعل الإيواء، فالإيواء يفترض الاقامة والاستقرار بغض النظر عن المدة، أما الاستقبال فهو يتم في لحظة وقد يعقبه إيواء أو لا يعقبه كأن يسلم الجاني المجني عليه إلى شخص آخر فيقوم الثاني بإيوائه فيتحقق في جانبه فعل الاستقبال والإيواء، أو يقوم بتسليمه إلى شخص ثالث فيتحقق في جانبه هو (الثاني) فعل الاستقبال فقط.

هذه أهم صور الفعل الجرمي في جريمة الاتجار بالبشر.

(في الجزء المقبل سنتحدث عن وسائل تحقق الفعل الجرمي، وعن الركن المادي والقصد الجنائي في جريمة الاتجار بالبشر).