الجمعة 21 سبتمبر 2018
سياسة

كيف تحولت معاشات البرلمانيين إلى «رضّاعة» لحلب جيوب المغاربة!

كيف تحولت معاشات البرلمانيين إلى «رضّاعة» لحلب جيوب المغاربة!

في الوقت الذي تعيش البلاد على إيقاع تواصل الهجمة الشرسة على الطاقة الشرائية للمواطن منذ إجراءات حكومة عبد الإله بنكيران الممتدة إلى اليوم عبر حكومة سعد الدين العثماني، والممثلة تماما لقرارات المؤسسات النقدية الدولية، وفي الوقت الذي يتزامن ذلك مع تنامي الاحتجاجات الاجتماعية وطنيا وقطاعيا، يعيش النواب والمستشارين اليوم على إيقاع الجدل الحاد حول موضوع تقاعد البرلمانيين وكيفية تأمين سيولته. هذا الجدل لا يهم فئة البرلمانيين وحدهم، ولكن كل المغاربة لأنه مرتبط بحياة مجلس النواب ومجلس المستشارين، الذي بدل أن ينشغل بتحسين جودة عيش المغاربة تجد البرلمان (بغرفتيه) منشغل فقط بتأمين الريع لأعضائه.

في أكتوبر 2017 راسل الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين الخاص بتدبير تقاعد البرلمانيين رئاسة مجلس النواب، يخبره فيها بأن «رصيد حساب نظام معاشات البرلمانيين، والذي تم حصره بتاريخ 15 شتنبر 2017 في 297.238،31 درهم فقط، لا يوفر للصندوق السيولة الضرورية والكافية لمواصلة صرف المعاشات القديمة والجديدة التي سيتم تصفيتها. وبناء على هذه الوضعية فإن أداء تلك المعاشات سيتوقف ابتداء من فاتح أكتوبر 2017».

إزاء هذا الموضوع الذي كانت إدارة الصندوق الوطني للتقاعد والتأمين قد نبهت إلى إفلاس نظام المعاشات منذ ولاية الاستقلالي كريم غلاب، أطلق الحبيب المالكي، رئيس المجلس، منذ التوصل بتلك المراسلة مشاورات عديدة بين الفرق السياسية للوصول إلى قرار يحل الملف بطريقة توافقية تفاوضية بين كل الأطراف المعنية.

في سياق ذلك برز منذ البداية تصوران: الأول: تزعمه الفريق الاستقلالي يرى أن نظام معاشات البرلمانيين مكسب ينبغي الحفاظ عليه، مع ضرورة إصلاحه. الثاني: تزعمه الأصوليون الذين طالبوا بإلغاء «القانون القديم المتعلق بإحداث نظام المعاشات لفائدة أعضاء مجلس النواب» وإحداث نظام جديد لفائدتهم. بموازاة ذلك تواصلت مساعي رئاسة مجلس النواب إلى أن اتفقت، في الأسبوعين الأخيرين، كل الأطراف أثناء ندوة الرؤساء على صيغة توافقية على أساس الإصلاح تتكون من لجينة من النواب: نور الدين مضيان (حزب الاستقلال)، محمد مبدع (الحركة الشعبية)، عبد الودود خربوش (التجمع الدستوري)، خالد البوقرعي (العدالة والتنمية)، محمد شرورو (الأصالة والمعاصرة). وتم الاتفاق بين الجميع على أساس تزويدهم بالسيناريوهات المعدة من طرف المؤسسة الائتمانية لإصلاح النظام، وكذلك على أساس أن يكون آخر أجل للتوافق هو 22 يناير 2018، بغاية عرض المقترح في صيغته النهائية على المكتب باتفاق الجميع. 

وبالفعل اجتمعت اللجنة، وتناقشت في الموضوع المطروح، حيث طرح اسم خالد البوقرعي لإعداد مقترح يعرض على أنظار الجميع. وفي الوقت الذي كانت الأطراف تنتظر مقترح البوقرعي، فوجىء الأعضاء خلال اجتماع اللجينة للمرة الثانية بهذا الأخير يتقدم بمقترح يقضي بتصفية النظام، وبخلق نظام آخر ائتماني بعيدا عن الاتفاقات السابقة. مما دفع بالحاضرين إلى رفض ذلك جملة وتفصيلا على أساس إعداد مقترح بديل.

الأكثر من ذلك، فقد عمد فريق العدالة والتنمية إلى وضع ذلك المقترح بإدارة مجلس النواب عكس الجميع، وبخلاف الاتفاق المسبق الذي وضع تاريخ 22 يناير كحد أقصى، وذلك حتى يتمكن من برمجته للنقاش باللجان بشكل مسبق على مقترح الباقي طبقا للنظام الداخلي مما أغضب بشدة جميع الفرق.

غضب الفرق السياسية اتجاه «البيجيدي» يرتبط بالطعنة التي تلقتها الفرق السياسية في الظهر على يد حزب المصباح الذي أراد الدفع بمقترحه لوحده ليظهر أنه الحزب «المبادر لإصلاح معاشات البرلمانيين»!

لكن « للي في راس الجمل في راس الجمالة»، إذ أن الغباء الدستوري لأعضاء حزب المصباح جعلهم ينسون أن هناك مقترحا كان حزب الأصالة والمعاصرة قد طرحه في وقت سابق بمجلس المستشارين يتعلق بإصلاح معاشات البرلمانيين. وهنا المطب الذي وقع فيه «البيجيدي»، فهذا الأخير لما انسل من التوافق مع باقي المكونات وطرح مقترحه كان يروم أن تكون الأولوية لمقترحه بحكم النظام الداخلي، لكن نفس القانون يقول أنه إذا كان هناك مقترح مدرج في المسارب المسطرية لإحدى غرفتي البرلمان ويتناول نفس القضية، فإن الأولوية تعطى للنص الأصلي الأول.

وهنا يتعلق الأمر بمقترح حزب «التراكتور» الذي تم تبنيه من طرف أغلبية الفرق بمجلس النواب لقطع الطريق على الاستغلال السياسوي لفريق «البيجيدي». ويقوم هذا المقترح (الذي تبنته أغلبية الفرق بدون المصباح) على ثلاثة أمور أساسية:

1 - رفع قيمة مساهمة النائب إلى 3200 درهم شهريا، عوض مبلغ 2900 الجاري به العمل حاليا.

2 - لا يمكن الاستفادة من المعاشات إلا عند بلوغ النائب سن 63 سنة.

3 - خفض قيمة الاستفادة إلى 800 درهم عن كل سنة تشريعية، عوض 1000 درهم المعمول بها حاليا.

تلك أهم الخطوات التي تبنتها الأغلبية باستثناء حزب العدالة والتنمية، وفي تقدير المراقبين فإن هذا الإصلاح المقترح من طرف الأغلبية من الفرق سيؤمن الإصلاح إلى غاية 2030 في انتظار إنضاج شروط أخرى. لكن هذا «الماراطون» من الاجتماعات والمشاورات والاقتراحات يعكس أن جميع الفرق البرلمانية منذ بداية هذه الولاية التشريعية مازالت تكرس ثقافة «الريع»، وتضع المساطر والقوانين والتشريعات لحماية صندوق معاشات البرلمانيين من الإفلاس، وحتى لا يجف ضرع هذه البقرة الحلوب.

فبخلاف المجالس البرلمانية في الدول الديمقراطية التي تنخرط في نقاشات سياسية مسؤولة وسجالات قانونية تصب في مصلحة الشعب، وتحافظ على سلته الغذائية، وتضمن رخاءه الاجتماعي، وأمنه الروحي والسياسي، وبحبوحته الاقتصادية، نرى برلماننا «الموقر» الذي يعيش شبه «عطالة» تشريعية، لا تشغله إلا قضية واحدة «مؤرقة»، وهي قضية إفلاس صندوق معاشات البرلمانيين، وما مدى نجاح «العمليات القيصيرية» لترميم هذه «المرضعة»!! مع العلم بأن هذه القضية ليست من الأولويات التي تفرض كل هذه «القيامة» بالبرلمان، لعدة اعتبارات أهمها أن مهمة البرلماني مهمة تطوعية، فأي حديث عن الرواتب والأجور والمعاشات «الفلكية»، هو حديث مغلوط. كما أن السواد الأعظم من البرلمانيين من المنعم عليهم والأثرياء، وسلالة العائلات الحزبية الأرستقراطية، أو من الطبقات المتوسطة «المرفهة».

فنادرا ما يدخل إلى البرلمان فقير كادح، أو «بيطالي» بلا شغل، لذا نرفض أن يظل البرلمانيون ينظرون إلى البرلمان بنظرة «الغنيمة»، ولا يحومون حول الصندوق الوطني للتقاعد كـ «العقبان» التي تحوم حول بقرة صريعة!!

(تفاصيل أوفى تقرؤونها في العدد الحالي من أسبوعية "الوطن الآن")