الاثنين 22 إبريل 2019
كتاب الرأي

وحيد مبارك: أنتم أيها الأطباء والممرضون هذه رسالتي لكم

وحيد مبارك: أنتم أيها الأطباء والممرضون هذه رسالتي لكم وحيد مبارك

الطبيب عنوان للأمن الصحي، عنوان للحياة، فلولا الأطباء لعشنا الويلات، نحن الذين ألفنا الخيبات، لولاهم لانتشرت الوفيات، وغطّت على أحداث ما نعيشه من يوميات، لتعددت الأسقام وطغت الآلام.

الأطباء والممرضون، الذين يقطعون مئات الكيلومترات، يعبرون المنحدرات ويتسلقون الجبال وينعطفون عند كل المنعطفات، من أجل تلقيح أطفال، وتمكين حامل من الولادة، والإجابة عن احتياج طبي لمسن ومريض بأمراض مزمنة وغيرهما، الذين يقدمون الرعاية لغيرهم، في ظل فقر في الموارد البشرية واللوجستيكية، الذين يتسلّحون بضمير مهني وحس وطني لا بـ "المجهود" والشعارات للتخفيف من آلام المرضى.

هؤلاء الأطباء ومعهم الممرضون، أتحدث بطبيعة الحال عن الشرفاء منهم، وهم كثير ليسوا بالقلائل، شأنهم في ذلك شأن أي قطاع، فيه الصالح والطالح، علما أنه سبق لي وأن وجدت نفسي أمام حالات لأطباء هم وصمة عار على هذه المهنة النبيلة. حين أتحدث عن الفئة الأولى أؤكد كما يؤكد غيري على أنهم وطنيون، ولا يمكن أن ننزع عنهم وطنيتهم إذا ما طالبوا بحق من حقوقهم، إذا ما تكلموا بعد صبر دام لسنين طوال. لا يمكن لمن ألف الصمت أن يزعجه الكلام حين يصدر عمن ظل صامتا تغليبا للمصلحة العامة على حساب مصلحته الخاصة.

نعم هناك أطباء أغنياء، وأتحدث دائما عن الشرفاء، الذين لا يسرقون مال مريض، ولا يدعون إصابته بعارض صحي ويتطلب وضعه فحوصات مختلفة وعمليات من أجل مراكمة الثروات، هؤلاء إذا ما حصلوا على مال، فهو مستحق بالنظر إلى كفاءتهم العلمية وإلى مجهوداتهم الصحية في الإنقاذ والإسعاف وتقويم التشوهات وتجميل القبيح وغيرها من التدخلات الطبية.

نعم هناك أطباء حققوا بشكل عادل ثروتهم، لكن بالمقابل هناك أطباء فقراء، هم بالكاد يعيشون في ظل مجتمع نعيش فيه فوارق صارخة، وهوة شاسعة، بين الفقر المدقع والغنى الفاحش، مجتمع تخلى عن مجانية التعليم والصحة وغيرهما، ترتفع فيه الأسعار بشكل قياسي وتتجمد فيه الأجور، مجتمع يلتهم الأجرة الشهرية للموظف والمستخدم في كل قطاع من القطاعات، وقد يذهب كله في الاقتطاعات مابين السكن والتعليم وغيرهما ...

الخلل هو في الدولة التي لا تضمن عدالة لمواطنيها، التي تثقل كاهل المواطنين بالديون، وتفرض عليهم الارتماء بين براثن القطاع الخاص في مفهومه العام، وهم يقدمون على هذا الارتماء بحثا عن بعض الأنسنة المقيّدة بقيود مادية تتحول إلى أغلال تطوّق أعناقهم.

اللاوطنيون هم من يقتلوننا جميعا، يوما عن يوم، هم يستنزفون أرواحنا، دمائنا، عرقنا، جيوبنا، ويفرضون علينا العيش في دوامة من التيه ومن الأعطاب الصحية الجسدية والنفسية.

هؤلاء الذين يتوصلون بأجور سمينة، وبعلاوات غليظة، الذين لديهم التعويضات عن السكن والنقل وعن المهام، حتى التافهة منها، الذين يسكنون الفيلات إن لم أقل القصور، ويتوفرون على أساطيل السيارات وعلى الشيكات المفتوحة للوقود، وغيرها من الامتيازات، الذين قد لا يمسّون أجرتهم مسّا ومع ذلك يعيشون ترفا في ترف.

هؤلاء لايحسون بمعاناة غيرهم، عندما يقف ذلك المواطن البسيط، الذي وجد شغلا، أما الذي بدون شغل فتلك قصة أخرى، الذي يشتغل كدابة تنوء بالأثقال، حائرا في نهاية الشهر لا يعرف ماذا يقدّم وماذا يؤخر، وهو يرى أجرته تتبخر تبخرا، مابين اقتطاعات الديون، ومصاريف الماء والكهرباء، ومصاريف تمدرس الأبناء، وصولا إلى ما يجب توفيره لمتطلبات العيش اليومية، أما إذا ألمّت به أزمة صحية، أو عارض اجتماعي، فذاك نقاش آخر.

إن الوطنية يجب أن تكون قاسما مشتركا بين الجميع، في وطن يقوم على ثنائية الحق والواجب، وتتطلب من الوطن أن يوفر عيشا كريما لمواطنيه، وان يضمن عدالة في العيش، وأن تتم دسترة ما ينص عليه الدستور الذي يعتبر أسمى التشريعات الوضعية، الذي يحدد العلاقات فيما بين الأفراد والمؤسسات، من خلال تنزيل مضامينه الحقوقية وضمان تجويدها لا أن تكون شكلية فحسب.

إن الوطنية ليست مجرد شعار يتم ترديده، ولا يمكن القبول بأن يتم تحويلها إلى تهمة يتم رمي الناس بافتقادها أو بالإساءة إليها أو القفز عليها، متى اختلفوا مع المسؤولين، ومتى طالبوا بتغيير وضع يعتبرونه غير صحي وليس بالسليم، بحثا عما هو أفضل، في إطار احتجاجات سلمية يكفلها القانون. الوطنية أكبر من أن تتم شيطنتها أو اختزالها وتقزيمها، أو جعلها على المقاس!