الاثنين 19 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

محمد الهيني:الاشجار المثمرة لهيئة الدفاع تسقط تباعا "الفقيد طارق السباعي نموذجا"

محمد الهيني:الاشجار المثمرة لهيئة الدفاع تسقط تباعا "الفقيد طارق السباعي نموذجا" محمد الهيني، مستشار و قاض، و عضو نادي قضاة المغرب، سابقا

غادرنا إلى دار البقاء،صباح يوم الخميس 18 يناير 2018،الفقيد المحامي والحقوقي طارق السباعي  رئيس الهيئة الوطنية للمال العام، لقد نزل الخبر كالصاعقة على قلب كل اصدقائه ومحبيه ،شخصيا عايشت الرجل كقاض سابق وحقوقي اكتشفت فيه معنى الانسان المحب للحياة ولحقوق الانسان ،كان محبا لمهنته ومخلصا لها مضحيا بماله ووقته وفكره للترافع في القضايا الحقوقية ،ولاسيما قضايا المال العام،بشكل مجاني وبإخلاص وتفان قل نظيره ،لا يمل ولا يكل من دراسة الملفات وتقديم الشكايات، لا فرق بين مسؤول كبير وصغير، عنده المجرم  سيان،والمال مال الشعب.

 كان رحمة الله عليه يقض مضجع كل ناهبي المال العام وترتعد فرائصهم بمجرد سماع اسمه ،لا يخافهم ولا يهابهم اختط لنفسه ممارسة دفاعية خاصة للترافع في مجال حماية المال العام قوامها الشجاعة الادبية والفضح واقامة المساطر لان هيبة المال العام وهيبة القانون احق واجدر،مرافعاته في هذا المجال مرجعية واصبح اشهر من نار على علم ،حتى بات بيته ومكتبه قبلة لكل ضحايا المال العام ،لم يكن يسأل الا عن الاثبات والحجة لتقديم الشكايات ،والباقي مجرد تفاصيل،كان له قصب السبق في المجال ،حج لعدة مدن وزار جل محاكم المملكة وتشهد مرافعاته بمناصرته للضعفاء وقضايا الاعتداءات على حقوق الانسان والصحافة .

ان المرحوم الاستاذ طارق السباعي يعد من مفاخر مهنة المتاعب ،مهنة الدفاع كان يعشق مهنته ويعتبر نفسه جنديا يقاتل من اجل اثبات الحقيقة ورفع الظلم والدفاع عن الحقوق والحريات وصون الامن القضائي، رافع من أجل الوطن بشجاعة و نكران الذات و رجل آمن أشد الإيمان بقضيته ،و بكل تواضع كان لسان الحق ،بحيث كان ينطق بلسان موكليه ويذود في حمايتهم ،كان يعتبر قضاياهم بمثابة قضيته ،يشهد له كل رفاقه انه كان صديقا لموكليه وعلاقاته معهم اتسمت بالزمالة والوضوح وعدم التكلف ،لانه كان يؤمن بان من اسباب نجاح المحامي على غير ما يعتقد الكثيرين ،هو التواضع والانصات والتواصل والنصح والتفاؤل ،والاهم هو القرب من الناس والتعبير عن همومهم واحزانهم وهواجسهم ومطالبهم ومتمنياتهم ،بحيث يفرح لفرحهم ويقرح لقرحهم فهو ضميرهم بل وطبيبهم وناصحهم الأمين وصديقهم الوفي يسافر بصحبتهم ويشاركهم اتعاب السفر وبهجته ونكته لانه كان مناضلا صنديدا لا يخاف في الحق لومة لائم، ترك مواقف مشرفة للتاريخ،علمنا معاني الإنسانية والشموخ والاباء والصفح والتسامح والفضيلة ،كان قاسيا في نقده قويا في حجته لم يكسره المسار المهني الشاق الذي اختاره بل تحمل شراسته إلى أن وافاه الأجل المحتوم، حلمه ان يستنصر المستضعفون و يعود المال المنهوب الى أصحابه،محاضراته كانت تستفز عقولنا وتمتعنا بجرأتها ومستملحاتها ،كنا نضحك للواقع البئيس الذي يحكيه لنا ،ولم تكن الابتسامة تفارقه حتى وهو يطالب بالسجن لناهبي المال العام ولتجار السياسة والدين لأنه لم يطال الا بتحقيق العدالة وبربط المسؤلية بالمحاسبة .

لن أنسى ما حييت ما قدمه لي الراحل من دعم ومؤازة امام المجلس الأعلى للقضاء في محاكمتين تأديبيتين نادرتين في تاريخ الحراك القضائي المبارك الداعم لاستقلالية السلطة القضائية،وفي مرافعة متميزة امام محكمة الاستئناف بتطوان حول احقيتي في الولوج لمهنة المحاماة  ،وبالمناسبة اذكر هنا رسالته الشهيرة لوزير العدل السابق التي خطتها انامله بشجاعة الحقوقي وبضمير المحامي ويقول في بعض مقاطعها "لي الشرف ان أكتب اليكم في اطار المناشدة الحقوقية حول القاضي محمد الهيني، والذي تعرض للعزل من مهنته بقرار إداري من المجلس الأعلى للقضاء، ولقد تتبعتم بلا شك كحقوقي التضامن الواسع معه تضامنا سياسيا وحقوقيا كبيرا معتبرين عقابه كان بسبب مواقفه وآرائه المدافعة عن استقلالية القضاء، ودوره الدستوري الطبيعي في حماية حقوق وحريات المواطنين .

فالكثير من الحقوقيين ورجال القانون يعتبرون الهيني رمزا للقاضي الذي يصدح بكلمة الحق دون الخشية من لومة لائم، حتى لو تعرض للعزل والتضييق ، ومعاناته يعرفها الجميع فهو بدون راتب، وبدون معاش أيضا، رغم أنه قضى أكثر من 17 سنة يزاول مهنة القضاء، ويسعى إلى تطبيق مفهوم العدالة في البلاد.

استاذي العزيز            

لقد كان قرار قبول مجلس هيئة المحامين بتطوان للأستاذ محمد الهيني بجدول هيئة المحامين بتطوان بردا وسلاما بل قرارا شجاعا وحقوقيا بكل ما لحمولته من معنى فقد استحضر مقتضيات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومنها حق التظلم والذي يكفل الحقوق والحريات المعترف بها ، حتى لو صدر الانتهاك عن أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية، فقرار هيئة المحامين بتطوان اثلج صدور كافة الحقوقيين ، هكذا كانت مجالس هيئات المحامين وكانت جمعية هيئات المحامين تنصر المظلومين وتدافع عن الحق دون تردد وكانت تقبل في صفوفها مناضلين شرفاء عوقبوا عقوبات قاسية بسبب دفاعهم عن قضايا الحرية والديمقراطية ومنهم من صدرت في حقهم أحكام بالاعدام في قضايا سياسية .

ولم يسبق لهذه الهيئات ان قامت بطرد عمر بنجلون وعبد الرحمان بنعمرو وأحمد بنجلون ومحمد اليازغي رغم قضائهم لسنوات من الاعتقال السياسي فهم معارضون للسياسة اللاشعبية واللا ديمقراطية والمتعارضة مع المواثيق الدولية في أن يكون البشر أحرارا، ومتمتعين بالحرية المدنية والسياسية ومتحررين من الخوف والفاقة، لتكون السبيل لتهيئة الظروف لتمكين كل إنسان من التمتع بحقوقه المدنية والسياسية، وكذلك بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،

أعلم جيدا ان لكم الحق في ان تطلبوا من الوكيل العام بتطوان ان يستأنف قرار مجلس هيئة المحامين فأنتم لا زلتم رئيسا للنيابة العامة حتى تتشكل السلطة القضائية المستقلة

اناشد حقوقيتكم وصدق مشاعركم واستقلال قراركم ، فالاستاذ محمد الهيني صديق لكافة الحقوقيين ، ولا شك أنكم ستغلبون جانب الحكمة والتبصر ،

فالحقد داءٌ دفينٌ ليس يحمله.. ..إلا جهولٌ ملـيءُ النفس بالعلل".

انا لله وانا اليه راجعون    

ان وفاة الفقيد والاخ والصديق ذ طارق السباعي لخسارة كبرى للعدالة ولهيئة الدفاع وللحركة الحقوقية عامة

افتقدنا هرما كبيرا كان مناصر دوما لقضايا العدالة وحماية المال العام وشخصيا فقدت اخا كبيرا وصديقا متميزا كان على الدوام معي في كل النضالات التي خضتها وضحى بوقته وماله وفكره لنصرتي والوقوف بجانبي

لن نقول وداعا لانك ستبقى في قلوبنا جميعا ايها العزيز والهرم الحقوقي الشامخ والكبير ،لا ندري لماذا تسقط الأشجار المثمرة لهيئة الدفاع تباعا ،بالأمس نقيبنا البقيوي واليوم انت ولا ندري غدا على من يأتي الدور،هل قدرنا ان نحصي ضحايانا وان نودع كبارنا ورموزنا ،فقدناكم ولكن مبادئكم واخلاقكم تتحدث عنكم ،كنتم رجالا عندما غاب الكثيرون ونعاهدكم اننا سنواصل مسيرتكم بنفس الروح وبنفس الضمير ،والله الموفق والهادي للصواب..رحمكم الله ورزقكم الجنة وتقبل منكم صالح الاعمال.