الجمعة 16 نوفمبر 2018
كتاب الرأي

حسن زهور: هذا ما فعلته نشوة زائدة من السكر الإيديولوجي بإلياس العماري

حسن زهور: هذا ما فعلته نشوة زائدة من السكر الإيديولوجي بإلياس العماري حسن زهور

بنشوة زائدة من السكر الإيديولوجي، الذي انتابت السيد إلياس العماري، وهو أمام خالد مشعل، زعيم حماس، طالب السيد العماري بسحب الجنسية المغربية من اليهود المغاربة القاطنين بالقدس. فجأة تنكر السيد العماري لمبادئ حزبه، وتنكر لكتاباته التي تمتح من ثقافة وهوية هذا الوطن المغربي العريق بحضارته، ونسي تميزه الفكري المغربي الداعي إلى العودة والرجوع إلى هوية هذا الوطن المتميز باعتداله الديني وبتسامحه وبانفتاحه وبتعدده.. كما نسي السيد العماري عداءه للفكر المتطرف للإخوان المسلمين الغريب عن بيئتنا بما فيه فكر جناحهم الفلسطيني حماس، ونسي ما يتبناه من "تنوير مغربي" في ما يكتبه ويدعو إليه.. نسي كل هذا أمام زعيم حماس خالد مشعل، ليخرج علينا بتخريجة، ظاهرها تطرف وباطنها مزايدة سياسية سمجة، لم يجرؤ إخوان مشعل ومناصروهم وحلفاؤهم من القوميين بالمغرب على التصريح بها علنا، وصرح بها هو، ونحن نعرف مدى سخافتها وغباوتها.

سقطة السيد العماري هذه أمام زعيم حماس ليست سقطة سياسية فحسب، بل تدخل ضمن "الردة" الإيديولوجية. فأن يدعو زعيم مغربي "متنور" إلى تجريد اليهود المغاربة القاطنين بالقدس من جنسيتهم المغربية من أجل إرضاء زعيم حماس، فهذا يدخل ضمن "الولاء" الإيديولوجي لكسب مكاسب سياسية آنية.. وهو ما قام به أغلب المهرولين من زعماء الهيئات السياسية والحزبية بالمغرب للقاء خالد مشعل لتسلم صكوك النضال للظهور بمظهر الانتساب إلى النضال الفلسطيني.. فبدلا من أن يتودد السيد مشعل لزعمائنا السياسيين لكسب التأييد، وهو الآن في موقف ضعف شديد، أصبح هؤلاء هم من يهرولون لاستقباله توددا ليمنحهم صكوك النضال. فهل تناسى هؤلاء الزعماء عزة وشموخ أجدادهم بناة الحضارة المغربية بممالكها قبل الإسلام وبإمبراطورياتها في ظل الأسلام، والتي لا تزال شرعيتها ممتدة إلى اليوم؟ وهي الشرعية التي تفتقدها اليوم الدول والحركات السياسية في الشرق الأوسط التي انبهر بها أغلب المثقفين والسياسيين المغاربة.

الشعور بالدونية التي رسخها الفكر الشرقي في المغرب، والذي جعل من المغاربة بوقا احتياطيا يلتجئ إليه المشارقة للدعم وقت الحاجة فقط، ما زال يرسخها زعماؤنا السياسيون المهرولون نحو خالد مشعل.. فأغلب الخطابات السياسية للهيئات والأحزاب المغربية تدعو إلى وحدة الصف وتوحيد المواقف السياسية وراء القضية الفلسطينية (ولا خلاف هنا باعتبارها قضية إنسانية).. فهل طلب زعماؤنا بدورهم من خالد مشعل موقفا واضحا من قضيتنا الوطنية مقابل هذه الهرولة والدعم اللامحدود التي أفقدت البعض صوابه الوطني ليطلب نزع الجنسية عن اليهود المغاربة؟ وهل طلبت الهيئات المهرولة التي لا تزال تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها الوطنية الأولى نفس الموقف من خالد مشعل؟ أي أن يعتبر الفلسطينيون قضيتنا الوطنية الأولى قضيتهم. وذاكرتنا ما زالت تتذكر موقفهم السلبي من جزيرة "تورا" المغربية التي احتلتها إسبانيا؟ فلم نسمع منهم موقفا لصالح قضيتنا هذه.

فالوطنية تقتضي المعاملة بالمثل، أي أن المصلحة الوطنية هي فوق أي اعتبار قومي أو ديني.. فالدعوة إلى الإجماع ووحدة الصف التي تدعو إليها هذه الاحزاب المغربية لصالح قضية لم يتحد حولها أصحاب القضية أنفسهم، تقتضي من هذه الهيئات والأحزاب المغربية المهرولة مطالبتها بموقف موحد من الفلسطينيين إزاء وحدتنا الترابية، أي أن يعلنه الزعيم الفلسطيني خالد مشعل أثناء اللقاء به؟ ونحن نعرف أنه ما زالت بعض منظماتهم تشارك البوليزاريو احتفالاتهم الوهمية وتعترف بهم.. وذاكرتنا لن تنسى ما قامت به منظمة التحرير الفلسطينية بالجزائر سنة 1988 في استقبالها لزعيم البوليزاريو أثناء عقد مؤتمرها بالجزائر العاصمة، و تشبيه بعض المنظمات الفلسطينية المغرب بإسرائيل والبوليزاريو بالفلسطينيين في المؤتمر، مما حدا بالملك الراحل الحسن الثاني إلى الرد بالمثل، وبقوة، في حين ردت الأحزاب والهيئات المعروفة بشرقيتها آنذاك بخجل لمسايرة الموقف الوطني.                          

هرولة زعماء الأحزاب المغربية للقاء خالد مشعل يؤكد مرة أخرى مدى ضعف الثقة بالهوية المغربية وبالشموخ المغربي و ضعف الأنفة والعزة المغربية لدى هؤلاء ممن يتسابقون نحو زعيم فلسطيني ليمنحهم صكوك القومية والنضالـ فأصبحوا بذلك كغراب ابن المقفع في كتابه "كليلة ودمنة".