الأحد 26 مايو 2019
كتاب الرأي

عبد القادر زاوي: الدين في السياسة الخارجية: حافز للإنفجار أم أمل في الاستقرار؟

عبد القادر زاوي: الدين في السياسة الخارجية: حافز للإنفجار أم أمل في الاستقرار؟

"What I will do in Irak is a divine call" "ما سأقوم به في العراق هو نداء إلهي". بهذه العبارة أنهى الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن حواره مع زعيم عربي حاول ثنيه في آخر لحظة عن غزو العراق سنة 2003. وقبله أعلن سلفه بيل كلينتون في إحدى زياراته لإسرائيل أن قسيسا أخبره قبل تولي رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية بأنه سيكون ذا شأن عظيم، وأن الرب سيغفر له كل خطاياه إلا تلك التي قد يرتكبها تجاه الدولة العبرية "إسرائيل".

وفي موقف حديث جدا وبتبرير غير مقنع البتة، وصفت الكنيسة الأورثوذوكسية في روسيا قرار حكومة موسكو شن غارات جوية في سوريا دعما لنظام الرئيس بشار الأسد بأنه قتال ضد الإرهاب يرقى إلى مستوى معركة مقدسة منسجمة وتعاليم الدين ومع القانون الدولي، متعهدة بإصدار بيان مشترك مع ممثلي الديانات الرئيسية الأخرى في روسيا (الإسلام والمسيحية والبوذية) تأييدا لقرار الحكومة الروسية.

هذه مجرد عينة على سبيل المثال لا الحصر من مواقف وتصريحات تبدد بشكل لا لبس فيه الفكرة التي سادت في ستينيات القرن 20 عن نجاح القطيعة بين الدين والسياسة بشقيها الداخلي والخارجي حتى شاع حينها أن السياسة قد حصلت على استقلاليتها عن الدين وتحررت من أغلاله بصورة حاسمة، إذ لم يعد للعامل الديني حينها أي دور يذكر في إلهام مخططات وبرامج تنمية المجتمعات إلا بشكل عرضي ونادر.

وقد تطورت الأمور في هذا السياق لدرجة أن الخطاب الديني نفسه بدأ يتكيف مع الواقع الجديد حين كان يرى الميول المتزايد لمعتنقي الديانات السماوية نحو مبادئ العلمانية وقيم الحداثة وأفكار اليسار بشكل جعل البعض يتحدث في الغرب المسيحي عن ضرورة مواكبة الكنيسة لعصر الحداثة وقيمها، فيما شاعت في العالم الإسلامي أطروحات تتحدث عن أهمية تحديث الإسلام، وخصصت لها العديد من الدراسات والمقالات.

ولكن أجراس الإنذار التي قرعتها بعض الأحداث مثل تلك التي حصلت في فرنسا شهر مايو 1968، ونمو حركات يسارية متطرفة كالألوية الحمراء، وما حملته تلك التطورات وقتذاك من نذر بإمكانية انهيار المنظومة الرأسمالية الغربية، ومن يسير في فلكها قادت إلى الاستنتاج بضرورة العمل على مواجهة المد اليساري بشتى الوسائل والسبل.

إن هذه المواجهة بدت غير كافية من خلال اتخاذ إجراءات اجتماعية تمتص نقمة الطبقات العاملة والمعوزة في المجتمعات الغربية، فاجتثاث هذا المارد المدعوم من المعسكر الشرقي الشيوعي آنذاك لن يكون سوى بإحياء مارد مماثل يدغدغ العواطف أكثر، ولن يتأتى هذا الدور جيدا إلا باستنهاض القيم الروحية، التي تتطلب إعادة الاعتبار للخطاب الديني وتوظيفه في هذا السياق.

تم تدشين هذا التوجه الجديد في الغرب باغتنام الفرصة، والبدء في الترويج على نطاق واسع لفكرة فشل الحداثة وما سببه الابتعاد عن الله من آلام مجتمعية، والعمل على ترجمة ذلك من خلال دعم الأحزاب الديمقراطية المسيحية للوصول إلى السلطة، ولكن في احترام تام لقواعد اللعبة الديمقراطية التي لا يمكن تجاوزها بعد أن قدمت الشعوب آلاف الضحايا في سبيلها، ولم تعد مستعدة لتكرار تجربة فقدانها، والسماح لمغامرين بالتلاعب فيها، واستغلالها كما فعل هتلر أو موسوليني مثلا.

إن هذا الإصرار  سيصل ذروته خلال الحرب الباردة، وسيجسده خير تجسيد الدعم الكبير الذي قدمته الكنيسة الكاثوليكية لنقابة تضامن البولندية، التي استطاعت إنهاء احتكار الحزب الشيوعي للسلطة في وارسو، وترسيخ ديمقراطية على النمط الغربي هناك، ممثلة نموذجا تم الاقتداء به تدريجيا في معظم دول شرق أوروبا إلى أن انتهى بانهيار الاتحاد السوفياتي نفسه، ومنظومة الدول الشمولية التي كانت على شاكلته، وفي مقدمتها الاتحاد اليوغوسلافي.

إن ذات الحرص على احترام قواعد الديمقراطية وتداول السلطة ولو بصورة شكلية سيوجد رغم اختلاف الانتماءات السياسية بين يهود إسرائيل وحدهم دون غيرهم من المواطنين العرب مسيحيين ومسلمين الذين يعتبرون مجرد غوييم "أغيار" في تناقض واضح مع أسس إنشاء الدولة العبرية التي استند منظروها ومؤسسوها على استغلال خرافة دينية بعيدة كل البعد عن الواقع تاريخيا وحضاريا أيضا.

لقد لخص تلك الخرافة منظر الصهيونية الأول تيودور هرتزل، بالتأكيد على أن اختيار أرض فلسطين كمكان لإقامة الدولة اليهودية لم يكن بسبب عوامل جذب اقتصادية ومادية أو موقع جغرافي واستراتيجي مميز، وإنما لميزتها كأسطورة جبارة قادرة على بعث الحنين اليهودي، وإذكاء جذوته بشكل يساعد على استقطاب العنصر البشري، الذي من دونه تظل فكرة الدولة نفسها مجرد حبر على ورق منظريها.

نغمة رد الاعتبار للخطاب الديني في الأوساط الأوروبية والغربية عموما ستجد صدى لها أيضا في العالم العربي والإسلامي، ولكن بنكهة التخلف الذي يسود المجتمعات في هذه المنطقة، حيث عمدت بعض الأنظمة إلى تجييش العامل الديني ضد القوى اليسارية الناهضة آنذاك في الستينات والسبعينات عبر وصمها بالإلحاد والكفر سعيا إلى تأبيد حكمها وبقائها في السلطة مستأثرة بها وبخيراتها بعيدا عن أي مراقبة شعبية، وفي بعض الحالات بواجهة ديمقراطية هي في الحقيقة "كليبتوقراطية" تسرق أصوات الناس وتتلاعب بها حسب الحاجة.

في غمرة أجواء رد الاعتبار هذه جرى توظيف إحراق المسجد الأقصى من طرف العصابات الصهيونية سنة 1969 لتأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي ( منظمة التعاون الإسلامي حاليا ) لتواجه في الحقيقة المد القومي الذي كانت تجسده في تلك الفترة جامعة الدول العربية بزعامة مصر. وقد كان لافتا للانتباه فيما بعد أن النظام المصري نفسه عندما آلت قيادته للرئيس أنور السادات استعان في سبيل تثبيت حكمه بتيار الإخوان المسلمين بعد إطلاق معظم رموزهم من السجن لمجابهة ما سمي إعلاميا آنذاك بمراكز القوة، التي كانت تناوئ وصوله للسلطة خلفا للرئيس جمال عبد الناصر، وتستعد للإطاحة به.

وبديهي في سياق الترابط العضوي بين السياسات الداخلية والخارجية ألا يتوقف التوظيف السياسي للدين عند المستوى الداخلي في حدود كل دولة، ولكنه سيرتقي ليغدو معطى أساسيا في السياسات الخارجية لمعظم دول العالم العربي والإسلامي، خاصة بعد أن بادر الإمام الخميني سنة 1979 إلى التأكيد على أن الثورة التي قادها ضد الشاه في إيران ليست أبدا ثورة وطنية داخلية.

إن هذه الثورة التي أسبغ عليها الإمام الخميني صفة الإسلامية كانت بالنسبة إليه حركة عامة تستهدف النصر لجميع من أسماهم المستضعفين في الأرض على المستكبرين، مشددا على أن الدستور الذي أقره للبلاد هو مجرد تمهيد لاستمرار الثورة داخلها وخارجها، راسما للحكومات التي باركها هدفا يكمن في هداية الإنسان نحو النظام الإلهي تنفيذا للآية الكريمة: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين" صدق الله العظيم.

انطلاقا من هذا المعطى الفج في تفسير آية قرآنية كريمة ستتجه السلطات الإيرانية بتعليمات من المرشد الأعلى إلى ترجمة ما يرتئيه هذا الأخير على أرض الواقع من خلال دعم عملي وتسليحي ومالي لتنظيمات تمثل المجموعات الشيعية التي يعتبرها الإمام مستضعفة تعيش في الدول الأخرى المجاورة عربية وإسلامية، محرضة إياها على الثورة في بلدانها، وساعية في أضعف الإيمان إلى تجنيد عناصر فاعلة منها لفائدة المخابرات الإيرانية.

وقد تم الاستناد في تبرير كل ذلك على أساس الالتزام بمقتضيات الدستور الإيراني، الذي نص في البند 15 من المادة 3 على توسيع وتقوية الأخوة الإسلامية والتعاون الجماعي بين الناس كافة، وفي البند 16 من نفس المادة على ضرورة تنظيم السياسة الخارجية للبلاد على أساس المعايير الإسلامية، والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين والحماية الكاملة لمستضعفي العالم.

ولهذا لم يكن مستغربا على الإطلاق أن تدق هذه النوايا الإيرانية المعلنة منذ البداية أكثر من جرس إنذار في الدول العربية والإسلامية المعنية، سيما تلك التي تضم في أطياف سكانها جماعات بشرية سواء أكانت أقلية أو أكثرية  تنتمي إلى المذهب الجعفري الإثنا عشري، الذي جعله الإمام الخميني المذهب الرسمي الوحيد للدولة الفارسية بمقتضى المادة 12 من الدستور، الذي يتضمن المادة 115 التي تنص على أن رئيس الدولة المنتخب يجب أن يكون حصرا من أتباع نفس المذهب، رغم أن الرئيس ليس سوى  الشخص الثاني في مؤسسات الدولة.

وعلى ضوء هذا الإنذار الإيراني المبكر المشحون بنوع من الثأر الخميني ضد النظام البعثي في العراق الذي استبعده من النجف الأشرف حين كان لاجئا هناك، ويعطي دروسا في حوزتها العلمية، سيزداد التنافس بإيعاز وأحيانا بتحريض أجنبي حول توظيف العامل الديني في السياسة الخارجية بين الأنظمة العربية والإسلامية الحريصة على عدم ترك أحدها يستأثر به لوحده، بل إن قوى عربية وإسلامية أخرى كانت تدعي صدقا أو زورا أنها علمانية أو تقدمية ستدخل غمار المنافسة.

في هذا السياق لم يكن مستغربا رؤية الرئيس حافظ الأسد ثم ابنه بشار من بعده يؤديان الصلاة في المناسبات خلف إمام سني في جوامع دمشق رغم أنهما يدعيان العلمانية والقومية والبعثية، وينتميان إلى الطائفة العلوية التي تكفرها بعض تيارات الغلو الديني. كما لم يستغرب المراقبون إقدام نظام صدام حسين ذي الخلفية القومية والبعثية والمدعي للصيغة العلمانية أيضا على القيام بانعطافة ذات بعد إيماني بكتابة عبارة "الله أكبر" في العلم العراقي.

إن هذا التنافس على توظيف المقدس في السياسة الخارجية سيلاحظ حتى بين الأنظمة العربية والإسلامية المتقاربة في التوجهات، كما سيتضح من تذمر الأردن طويلا من إسناد رئاسة لجنة القدس سنة 1979  لملك المغرب وليس للعاهل الأردني، الذي تباشر وزارة الأوقاف في بلاده الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف التي كانت تحت سيادته قبل احتلالها.

ومن الممكن في هذا الباب إثارة موضوع إحجام العديد من الدول العربية والإسلامية عن تمويل مشاريع في المدينة السليبة من خلال وكالة بيت مال القدس الشريف المنبثقة عن لجنة القدس باستثناء الإمارات العربية المتحدة في أحد المشاريع العمرانية، وبعد جهود دبلوماسية مضنية. مقابل ذلك كانت معظم هذه الدول حريصة على توظيف الحمولة الدينية للقدس في سياستها الخارجية، فتبارت في القيام بمشاريع بالمدينة باسمها مباشرة أو من خلال صندوق القدس المحدث في إطار منظمة التعاون الإسلامي.

أكثر من ذلك، فإن إيران التي أطلقت شرارة التنافس على  توظيف المقدس في السياسة الخارجية ستدخل مجال المنافسة في القدس بشكل استعراضي واستفزازي مثير، وذلك بقرارها تخصيص يوم عالمي للقدس أضفت عليه المزيد من الهالة الروحية حين جعلته يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، وهي تحتفل به بإقامة تظاهرات تتفنن فيها بالسب والشتم دون الإقدام على أي خطوة عملية ملموسة تفيد ساكنة المدينة وتدعم صمود أهلها.

غير أن كل ما سبق لا ينفي أن التجسيد الأمثل للتوظيف الديني في مجال السياسة الخارجية سيظهر في قرار مواجهة  غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان بتحالف إسلامي غير رسمي نسقه رجال المخابرات الأمريكية مع نظراء لهم من مخابرات عدد من الدول العربية والإسلامية. وقد تمثل في استجلاب أعداد كبيرة من المتطوعين لمحاربة المد السوفياتي الشيوعي الملحد لأرض إسلامية حسب التسويق المعلن، مسبغين عليهم لقب المجاهدين.

وبذلك غدا الجهاد أداة فعالة للسياسة الخارجية للدول العظمى ولبعض الدول الإقليمية دون أن تظهر في الواجهة. وقد وجد أقطاب هذا الجهاد موئلا محصنا في الأراضي الأفغانية التي انطلق منها في غزوات وعمليات شملت أرجاء واسعة من الكرة الأرضية ولم تستثن حتى رعاته. عمليات كانت كفيلة بإدخال المنطقة العربية والإسلامية في دوامة من التوترات على مدى حوالي 25 سنة الآن بلا أفق لنهاية محتملة قريبة لها.

إن توظيف الأبعاد الدينية والمذهبية في السياسة الخارجية لم يقتصر فقط على التنافس لتسجيل موقف هنا، وكسب شعبية ولو مؤقتة هناك، وإنما سنجده يفسر أيضا استقلالية القرار السياسي حتى داخل التجمعات الجهوية الأكثر تماسكا وترابطا وانسجاما داخل العالم العربي والإسلامي. هذا ما تمكن ملاحظته داخل مجلس التعاون الخليجي حيث يتم تفسير تغريد سلطنة عمان في معظم القضايا الدولية والإقليمية خارج سرب المنظومة الخليجية بعاملين اثنين يبزان انتماءها الجغرافي ومصالحها الاقتصادية، وهما:

*العامل التاريخي  حيث كانت السلطنة تجد منذ زمن بعيد مجالها الحيوي في المبادلات التجارية عبر البحر في إفريقيا وفي الهند وبلاد فارس.

*العامل المذهبي ممثلا في شيوع المذهب الإباضي في السلطنة وهو مذهب خوارجي ظل محل تكفير من طرف أهل السنة في جزيرة العرب، وأهل الشيعة في إيران. ولعل هنا تكمن سياسة إمساك العصا من الوسط التي تمارسها السلطنة فيما يجري حاليا بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية.

ومما لا شك فيه، فإن تواصل الاستقطاب الحدي دينيا على الصعيد المحلي في كل دولة على حدة، وعلى الصعيد الإقليمي حيث يجري التخندق دينيا ومذهبيا بدعم خارجي فعال في معظم الحالات بسبب ضعف مناعة العديد من المجتمعات سيمكن من استمرار الحضور الطاغي للدين في السياسات الخارجية، وبشكل مقصود في بعض الساحات، سيما تلك التي تعاني هشاشة إجراءات العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وقصورا في السياسات المبرمجة لمحاربة تلك الهشاشة.

ومثل هذا الاستقطاب المتميز بالغلو لن يغذي سوى الغرائز والأحقاد ، الأمر الذي يؤشر على أن خطاب دعاة الاعتدال الديني مثلما هو الأمر مع الدبلوماسية الدينية المغربية إزاء أتباع المذهب المالكي في إفريقيا وإزاء السعي لتأطير الحقل الديني الإسلامي في فرنسا وربما باقي أوروبا الغربية مستقبلا  ما تزال أمامهم أشواط كبيرة للوصول إلى المبتغى. وفي انتظار أن تفرز تلك المحاولات نتائج مشجعة، فإن المنطقة العربية والإسلامية ستظل عرضة للمزيد من التوترات والنزاعات.